نام: موبایل:
الرئیسیة » العالم الإسلامی » البلدان الإسلامیة » لبنان » الشخصیات الإسلامیة » حیاة سید حسن نصرالله؛ من مدرسة “النجاح” في الكرنتينا الى النجاح في مدرسة النصر
نشرت فی 05 مه 2014 | الفئة : الشخصیات الإسلامیة

حیاة سید حسن نصرالله؛ من مدرسة “النجاح” في الكرنتينا الى النجاح في مدرسة النصر

حجم الخط

المصدر: صحيفة الرأي العام الكويتية10/6/2000‏‏

‏‏
خلف نظارتين سميكتين، وبين معالم يظلّلها سواد العمامة واللحية، تلمع عينا السيد حسن نصر الله ببريق جديد مغلّف بالترقّب، فالعرب لم يعرفوا الفرح منذ عقود، ولم يختبروا -تالياً- نتائجه.‏‏
محطات كثيرة خاصة وعامة طبعت شباب "السيد"، فكان يصبر على الخاص وينصرف الى العام، وهو الذي يقول أنه نذر نفسه لقضية تجاوزت الوطن الى الإنسان وكرامته.‏‏

لا ينتمي الى عائلة سياسية تقليدية، ولم يتخرج من بيت سياسي كان صاحبه نائباً أو وزيراً أو رئيساً للوزراء (على ما جرت عادة النخب فى لبنان)، ولم يلمع اسمه في الحرب ولا بعد الحرب قائداً لميليشيا أو زعيما لتنظيم فرّخته منظمة التحرير أو سفارة عربية.‏‏
لم يُعرف كرجل دين واعظ وخطيب في المساجد أو الحسينيات، ولم يكوّن أتباعاً يتحلقون حوله في كل مناسبة، وحتى داخل حزب الله: لم يكن الرجل معروفاً للخارج قبل 1992، ومع ذلك ترك بصمة في تاريخ لبنان الحديث لا يماثلها أي حضور أخر، وأربك شخصيات سياسية كثيرة بقيت أسيرة الزواريب الداخلية في تحركها .‏‏
ترك الزواريب التي عاش فيها طفولته في منطقة الكرنتينا (أحد أحزمة البؤس في بيروت). هذه الطفولة أسّست لجوانب كثيرة في شخصيته، فالمنطقة عبارة عن تجمع للمحرومين من كل الطوائف وفدوا من مختلف المناطق هرباً من الفقر وأملاً في دخول بوابة بيروت العريضة من إحدى ضواحيها. كان الحرمان الهوية التي جمعته مع أقرانه الأطفال ، فوحّد بينهم في الملبس والمظهر ومصروف الجيب المتواضع وطرق التسلية.‏‏
هنا يحضر الإنسان (لا الطائفة) في عيون الصغير الذي رأى والده (عبد الكريم) النازح من البازورية (قضاء صور) ووالد صديقه الأرمني أو المسيحي أو السني يدفعون عربات الخضر والفواكه لبيع منتوجاتها، ثم يرتاحون سوياً وأنظارهم شاخصة الى المدينة التي تتلألأ كدرّة في البحر يسألون الفرج من رب واحد.‏‏
يقول رفاق حسن الصغير في مدرسة "النجاح" في الكرنتينا أنه كان متدينا بالفطرة، يتلقى المزاح الثقيل من أقرانه بهدوء وخجل، إلا أنه كان شرساً جداً في رفضه أي مزاح يمس الدين أو الذات الإلهية، ولطالما تخاصم مع رفاقه الى حد القطيعة تجاه هذه المسائل.‏‏
وعندما أسس والده دكّاناً صغيراً لبيع الخضر والفواكه: رأى (السيد) في الدكان أفضل مكان لمساعدة أهله (وكان في التاسعة من عمره) ولقراءة القرآن أو بعض القصص الدينية عن الرسول (ص) والخلفاء والأئمة.‏‏
كان لبنان يغلي: أحزاب من كل نوع.. حملات سياسية لا تتوقف.. عشرات آلاف الفلسطينيين يتدفقون ويشكّلون ضواحي جديدة وأحزمة بؤس جديدة قرب المدن الكبرى مثل بيروت وطرابلس وصيدا وصور، وبدا المشهد السياسي اللبناني في بداية السبعينات يشي بانفجار (في ظل) خلل داخلي واقتحام خارجي يستفيد من ذلك الخلل في عملية استقطاب دؤوبة، يومها استحق الشيعة وبجدارة لقب "وقود الأحزاب": لأنهم أكثر عدداً، ولأنهم كطائفة فازوا بنصيب الأسد من الحرمان، ولأنهم (وهذا عنصر مهم سيتبلور مستقبلاً) توزعوا جغرافياً في المساحات الحدودية بين إسرائيل وسورية، وكانوا أبناء أرياف يشتعلون حماسة للقضايا المطلبية المحلية والقومية العربية.‏‏
رفاق حسن نصر الله توزعوا بين شيوعيين وناصريين وبعثيين وسوريين قوميين، أما هو الملتزم عقيدة إيمانية تسمو -في رأيه- على كل العقائد السياسية الأخرى، فكان يراقب حركة الإمام السيد موسى الصدر مؤسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة المحرومين، ويتماهى بخطبه في الكنائس أو المساجد أو الساحات العامة التي تركز على الإنسان والوطن والكرامة والإيمان والتنمية، وكان الإمام الصدر جميلاً بهيّ الطلعة يتمتع بحضور طاغ وكاريزما سياسية افتقدها رجال دين وسياسيون لبنانيون.. أي أنّ خطابه كان مميزاً وكذلك شكله وحضوره، ويستطيع والد حسن نصر الله أن يجزم أنّ ابنه تأثر كثيراً بالصدر وقرر السير على خطاه والاقتداء به.‏‏
مع بداية الحرب في بيروت والمدن ، انكفأ النازحون من القرى الى قراهم، وعادت عائلة نصر الله الى البازورية، وأكمل الشاب الملتزم دراسته في صور، لكن الكرنتينا بتعايشها وزواريبها الضيقة وفقرها وحرمانها لم تغب على المستوى السياسي والفكري، خصوصا بعد المجازر التي حصلت فيها عام 75 والمجازر التي تلتها في الدامور والعيشية وغيرها من المناطق. وزاده هذا الأمر تعلقاً بنهجه الإيماني الملتزم بالدين والإنسان، ونقّره أكثر فأكثر من سياسة الزواريب اللبنانية التي ما رأى فيها إلا إضعافاً لقضايا الداخل وانتصاراً للأطراف الخارجية وعلى رأسها إسرائيل.‏‏
في أول فرصة تنظيمية له انضم الى حركة "أمل"، ولم يكن لها ذلك الوهج والانتشار، بل انطلقت بقوة شخصية السيد الصدر، وواجه الطالب في "صور" هذه المرة ليس الأحزاب العلمانية والقومية فحسب، بل الزعامات الجنوبية الشيعية التقليدية التي رأت فى حركة الصدر تهديداً لها، لكن "السيد" ومنذ بدايته في العمل السياسي المنظم وحتى اليوم ركّز عمله على مستوى التنظيم والبناء ولم يدخل فى مماحكات وخلافات داخلية أو خارجية، وربما لذلك سيبقى خارج الأضواء الإعلامية قرابة 17 عاماً.‏‏
شيء ما في ذلك الموزاييك الحزبي والطائفي والسياسي كان ينفّر السيد الشاب ويُشعره بأنه يعيش وقتاً ضائعاً، ربما كان ذلك الشيء الخطاب السياسي بسقفه المخفوض المنكفئ على ذاته لخدمة أشخاص أو طوائف أو فئات.. كان يرى في ذلك الخطاب قصوراً لتمنّعه عن التمسّك بالعقيدة الأسمى.‏‏
تشير أسبوعية الحوار في عددها الأول الى أنّ "السيد" وسّط عام 1976 أحد رفاق الإمام موسى الصدر (الشيخ محمد الغروي) ليُرسله الى النجف لمتابعة تجصيله العلمي الشرعي، وكان عمره 16 عاماً.‏‏
في النجف (بدأت) مرحلة أخرى من مراحل تكوين الشخصية، فهناك انصراف كلّي للعقيدة في فطرتها الأولى، لا لهو ولا لعب ولا خروج ولا سفر، ولا وقت أساساً لكل ذلك، وهناك سيتعرف الى السيد عباس الموسوي، (وهو) ابن قرية اسمها النبي شيت (البقاع)، ليصبح (السيد عباس) أستاذه ومُلهمه ورفيق دربه.‏‏
وصل الشاب المتحمس للعلم الى النجف وكل ما في جيبه رسالة من الشيخ الغروي الى العلامة السيد محمد باقر الصدر الذي قرأها وطلب من أحد تلامذته (السيد الموسوي) أن يهتم بحامل الرسالة من حيث حاجاته الأولية، أي: المسكن والمنامة والطعام والشراب فقط. وهذا هو في الأساس ديدن الأجواء. ولم يخطئ من أطلق على الحوزات العلمية في النجف اسم "ثكن عقائدية"، لأن النظام فيها مرصوص، والتقشّف والزهد بمتاع الدنيا أسلوب حياة. وحده طلب العلم لا حدود له ، ووحده اختصار المسافات في هذا الطلب يتيح للطالب أن يتباهى بعمامته. فرشة إسفنج بسيطة في غرفة متواضعة وكتب كثيرة.. (هكذا) كانت بداية نصر الله في النجف، وبدأ دراسة "المقدمات"، وهي المدخل الأساسي لطالب العلم قبل أن يصل الى مرحلتَي "السطوح" و"بحث الخارج". وتشاء الأقدار أن يكون أستاذه عباس الموسوي نفسه.‏‏
المرحلة الأولى تحتاج عادةً الى أربع أو خمس سنوات، إلا أن نصر الله ورفاقه أنجزوها في سنتين، مستفيدين من حماسة الموسوي واعتباره لهم اخوة حقيقيين، ومن رفضهم قطع الدروس بالإجازات الدينية الطويلة مثل الحج ورمضان و الأعياد.‏‏
عاد "السيد" الى لبنان مزهواً بإنجازه الفكري الذي أقنعه أكثر فأكثر بأنّ السياسة بلا عقيدة حامية وعاصمة يمكن أن تكون تجارة، وكرّس في لقاءاته الحركية مفهوم الالتزام وضرورة اعتماده مسلكاً عاماً، واستطاع أن يستقطب أكثر فأكثر الشباب الذين بدأوا معه العمل السياسي عام 1975. ولكن فرحة الإنجاز بختم "المقدمات" عام 1978 عكّرتها ثلاثة أمور:‏‏
الأول: خطف السيد موسى الصدر في ليبيا في أكثر المراحل حرجاً ودقة في لبنان وبعدما استطاع الإمام تأسيس قاعدة شيعية لبنانية قابلة للتوسع نحو طوائف أخرى على أسس مطلبية واجتماعية.‏‏
الثاني: الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان (1978)، وخلق أوضاع سياسية أكثر تعقيداً من السابق لجهة توسيع نفوذ الفلسطينيين وحلفائهم من جهة، واختراق إسرائيل مواقع سياسية لدى أكثر من طرف لبناني، وقيام دولة "الجنوبي" من جهة ثانية، وانهيار السلم الأهلي الذي استقر لنحو سنتين بانهيار الحل العربي عقب زيارة السادات للقدس، وبدء تصفية حسابات سياسية عربية-عربية في لبنان وحصول حوادث خطيرة في الأشرفية والفياضية وزحلة.. امتدت حتى عام 1982 (أي: حتى الاجتياح الإسرائيلي الشامل)..‏‏
الثالث: بدء النظام العراقي حملة مكثفة ضد الحوزات العلمية مركّزاً على العناصر الذين يشك في انتمائهم الى حزب الدعوة، وقتل العلامة محمد باقر الصدر لاحقاً، وهو واحد من رموز هذا الحزب، إضافةً الى قتل حشد كبير من العلماء واعتقال طلاب كان (النظام العراقي) يشك في ولائهم لسورية.‏‏
واستطاع الطالب المتحمس أن يفر من العراق قبل أن تطوله يد السلطة، وعاد، ولكن ليس الى الجنوب هذه المرة، بل الى بعلبك حيث أسس الموسوي مدرسة تعتمد مناهج النجف نفسها لإكمال ما لم يستطع الطلاب إكماله هناك.‏‏
أصبح السيد مسؤولا تنظيميا للبقاع في حركة أمل، وتزوج في تلك الفترة من فاطمة ياسين، وهي من قرية العباسية في جنوب لبنان، ورُزق بهادي الذي سيستشهد في عام 1997 عن عمر يناهز 18 عاماً في عملية ضد الإسرائيليين في جنوب لبنان.‏‏
ولكن تلك الفترة تفردت بخصوصية لم تكن موجودة سياسياً داخل المناطق الأخرى، فوهج الثورة الإسلامية في إيران انتشر بكثافة في كل لبنان، وتحديداّ في البقاع. ورجال الدين الذين عملوا في حركة "أمل" في البقاع واظبوا على تلقي العلم وفتحوا خطاً عقائدياً مباشراً مع إيران من خلال الزيارات المتبادلة، إضافةً الى أنّ استجابة أهالي تلك المنطقة للعمل السياسي كانت عالية بحكم الحرمان الكبير الذي أصابها وغياب الدولة عنها.‏‏
مع الأيام، بدا في حركة "أمل" (التي تزعمها نبيه بري خلفاً للسيد حسين الحسيني) تياران، وإن كانا غير معلنين، تيار سياسي يقوده بري مع مجموعة من الشخصيات المنتقاة من مختلف المناطق: أراد دخول اللعبة السياسية اللبنانية من بوابتها العريضة حتى لو أدى الأمر الى الزواريب في حروبها. والتزم هذا التيار الخط السوري في لبنان وسلّفه الكثير وتسلّف بالتالي الكثير (المعارك ضد البعث العراقي، انتفاضة 6 شباط، حرب المخيمات.. الخ)، وأيد هذا التيار مجموعة من رجال الدين قريبة بشكل أساسي من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.‏‏
***‏‏
أما التيار الثاني فكانت قاعدته رجال الدين، وتحديداً تلك المجموعة التي قدمت من النجف وتابعت دراستها في حوزة الموسوي، إضافةّ الى مئات الكوادر المتأثرين بهم الذين أطلقوا على أنفسهم في إحدى الفترات اسم "أفواج المقاومة المؤمنة". وكان خط الإمام الخميني قويا في هذا التيار، وقدّمت إيران له مساعدات دراسية وعلمية ومالية وعسكرية.‏‏
انفصل التياران غداة الاجتياح الإسرائيلي وانضمام بري الى هيئة الإنقاذ الوطني مع بشير الجميل ووليد جنبلاط في عهد الرئيس الراحل الياس سركيس. يومها رأى هذا التيار (الرافض أساساً لأي مرونة أو مساومة سياسية) أنّ المشاركة في مؤسسات كهذه على خلفية الغزو إنما تعني "استكانة لا تليق بمجاهدين"، فيما كان رأي "أمل" أنّ الظروف تستوجب الإعداد الجيد للمرحلة المقبلة، وأنها جـاهدت وقاتلت الإسرائيليين خلال الاجتياح و"ليست بحاجة الى دروس من أحد" (على ما قاله مسؤولوها آنذاك).‏‏
هذا التيار المعارض، ومنه الموسوي ونصر الله وابراهيم السيد (النائب الحالي) والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ نعيم قاسم وغيرهم (من دون أن يكون كل هؤلاء حكماً في حركة أمل) إضافةً الى "تغطية روحية" دامت نحو عشر سنوات من السيد محمد حسين فضل الله، وعشرات الكوادر من "أمل".. (هذا التيار المعارض) شكّل نواة حزب الله، تلك النواة التي بدأت العمل سرياً وتحت الأرض ثم أخذت تتكشف شيئاً فشيئاً، لكن الإعلان الرسمي الحقيقي لها بدأ بعملية استشهادية قام بها أحمد قصير، وهي العملية التي ألهبت آنذاك مشاعر السيد نصر الله وثبّتت عزيمته للمضي في طريق لم يجد غيره صالحاً "في زمن الاستكبار"، فـ"من يبدأ بالاستشهاد في سبيل الله سينصره الله ولا غالب إلا الله" (كما يقول السيد في معظم أحاديثه).‏‏
خاض حزب الله معارك كثيرة ضد الإسرائيليين، لكنه تورط أيضاً في الثمانينات بمعارك "زواريب"، فاشتبك مع "أمل" ومع الشيوعيين ومع الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومع غيرهم.. هم يقولون أنه يريد احتكار المقاومة والعمل العسكري، وهو يقول أنهم لا يريدونه أن ينتشر خطاً وفكراً.‏‏
هذه المعارك أعطت دروساً وخلاصات، لكنها كانت قاسية، وللمرة الأولى في لبنان يُسقط حزب الله الحصانة عن المسؤولين، فمقابل أي عنصر يسقط في صفوفه كان أعضاؤه لا يتورعون عن قتل أكبر مسؤول سياسي أو فكري يصادفونه في الجهة المقابلة، على أساس أنّ الإنسان إنسان مهما كانت رتبته، لكن مفكرين ينتمون الى أحزاب أو تيارات فكرية (لا الى ميليشيات) دفعوا ثمن هذه المعارك، فخسرتهم الساحة الفكرية والثقافية.‏‏
يقول قريبون من نصر الله أنه لم يكن يرغب في أن يتورط الحزب في أي معركة خارج نطاق المواجهة مع إسرائيل، بل لم يكن يحبّذ التدخل في أي خلاف لقناعته بأنّ ذلك يأكل من رصيد المقاومة ولا يضيف إليها. وهو (السيد) يرفض أساساً نشوء "آلية خلاف وحل خلاف" حتى لا تتكرس وينجر الحزب الى الزواريب مجدداً.‏‏
لذلك، بقي (السيد) منذ 1982 وحتى 1989 رجل المهمات التنظيمية بامتياز: يبني كوادر.. يعلّمها.. يحضّرها للمقاومة والجهاد.. يقيم حلقات دروس دينية يستحضر فيها دائماً سيَر أهل بيت النبي (صلى الله عليه وعليهم) بكل ما فيها من عبَر وإصرار على محاربة الظلم وإحقاق الحق، ويروي أعضاء في الحزب أنه كان يقول لهم دائماً "إنّ إسرائيل قوية في أوهامنا فقط" وأنه "عندما نُسقط هذا الوهم ونستخدم القوة الكامنة فينا سنجد أنّ هذا الكيان الذي اسمه إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت".‏‏
ودائماً دائماً: كان أحمد قصير وعمليته واستشهاده حاضرة في أي تعبئة، ويقول نصر الله في حوار له بعد التحرير (مع مجلة "الوسط") عن الخوف من الخلل في موازين القوى: "نعود الى أسئلة 1982 حين كان الاحتلال الإسرائيلي موجوداً على أرض أوسع، وأذكر حين اقتحم الشهيد أحمد قصير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور في عملية استشهادية، وتحدث الإسرائيليون عن مقتل 85 جندياً، وأعلن مناحيم بيغن الحداد ثلاثة أيام، وأطلق يومها كلاماً بأنّ إسرائيل ستدمّر لبنان لأنها لا تحتمل خسارة من هذا النوع، وأنّ خيار المقاومة مكلف ومجهد ومتعب"..‏‏
وهو (السيد) ما فتئ يكرر هذا الكلام لاستنهاض الهمم والتأكيد على أنّ العين تقاوم المخرز إذا كانت في منطقة الحق.‏‏
***‏‏
في منتصف الثمانينات: غادر (السيد) البقاع الى بيروت مع الشيخ ابراهيم أمين السيد الذي سيصبح نائباً مثيراً للجدل عن حزب الله، والسيد معروف منذ البداية بعلاقاته الجيدة مع المسؤولين السوريين، وهو أحد عناصر التحالف الرئيسية بين الحزب وسورية.‏‏
بدأت الهياكل القيادية لحزب الله تظهر الى العلن شيئاً فشيئاً: مجلس شورى يضم علماء ومجاهدين، وقاعدة جماهيرية عريضة تلتزم القرار. لكن الحلقة الوسيطة بين المجلس والقاعدة لم تكن ظاهرة بوضوح ما أدى أحياناً الى ضياع المسؤولية عند أي تجاوز أو تنفيذ خاطئ للقرار. وعليه عُهد الى نصر الله المسؤولية السياسية في بيروت (رغم أنه كان مرتاحاً في المسؤولية التنظيمية)، هذه المسؤولية التي تحولت لاحقاً الى مسؤولية تنفيذية وتنظيمية عند انتخاب الموسوي أميناً عاماً (عام 1991)، أي: أنّ نصر الله الذي كان في الواحدة والثلاثين من العمر تولى أكثر المهمات حساسية، وأصبح هو الحلقة الوسيطة بين مجلس الشورى والقاعدة، أي أنه المسؤول عن تعميم القرار وتنفيذه وتحمّل مسؤوليته ومتابعته، سواء تعلق الأمر بدفع 100 دولار لمحتاج، أو شراء ألوان للرسم على الجدران.. وصولاً الى التخطيط للعمليات الاستشهادية وتأمين مستلزمات نجاحها.‏‏
الجميع كان يعرف بوجود تيار في الحزب يلتف حول الموسوي ويريده في قمة المسؤولية، ومن بين هؤلاء السيد نصر الله نفسه، ولا يحب مسؤولون في حزب الله الخوض كثيراً في ذلك، ويقولون أنّ تلك المرحلة (1988-91) شهدت سجالاً تنظيمياً وسياسياً عادياً "تقلّ حدّته عن أي سجال في أي مؤسسة سياسية في العالم"، ومع ذلك "هناك من يريد تصويره على أنه صراع أجنحة، وهذا غير وارد في حزب الله"…‏‏
ولكن هناك من يرى أنّ السجال فرَز مجموعات: واحدة مؤيدة للنهج الإيراني، وأخرى تراهن على علاقة جيدة مع سورية لتبقي للحزب حيويته في لبنان، وثالثة تريد لـ"المجاهدين الشبان" أن يتولوا مسؤوليات أساسية، ورابعة تريد قيادة من البقاع أو من الجنوب، وخامسة تريد الدخول في اللعبة السياسية المحلية تحت السقف الشرعي، وأخرى متمردة ترفض ذلك.. الخ..‏‏
يومها: أعلن نصر الله أنه يريد إكمال علومه في قم، ويومها أيضاً قال كثيرون أنه غاب بخياره، إما لأنه كان صاحب رأي مخالف، أو لأنه أراد النأي بنفسه عن السجالات الداخلية، فيما تحدث آخرون عن "فترة تحضير" إقليمية مكّنت الرجل من نسج علاقات جيدة، وخاصةً مع طهران ودمشق، وساهمت فيها شخصيته الجادة وتجربته الحزبية.‏‏
عام 1990، عاد السيد الى لبنان وسط أحداث كبيرة عاصفة: صدّام حسين يجتاح الكويت، واتفاق الطائف ينفَّذ تدريجياً، وآلية صلح أمريكية-سورية جديدة سمحت لدمشق بدور أكبر في لبنان بعد إطاحة العماد ميشال عون، هذا الدور الذي رأى فيه نصر الله فرصة كبيرة لدعم المقاومة، خصوصاً مع إعلان لبنان الرسمي أنه للمرة الأولى على خط واحد معها.‏‏
وكان السيد محقّاً في تحليله المتعلق بدعم حزب الله، فالعلاقة الإيرانية-السورية الجديدة سمحت بعبور مختلف المساعدات، ونظام ما بعد الطائف أنتج سلطة حمت ظهر المقاومة ورفضت المساومة عليها، والجيش اللبناني الرسمي سهّل مرور المقاومين ورفَض أي قرار يمكن أن يؤدي الى التصادم، ولا يزال الرئيس العماد إميل لحود يتذكر بفخر أنه رفض نشر الجيش في الجنوب عندما كان قائداً له (عام 1993) حتى لا يكون حاجزاً بين المقاومة وإسرائيل، ولذلك كانت رسائل الشكر الأولى من السيد نصر الله بعد ثلاثة أيام من التحرير "الى الشهداء والشعب والمقاومة وآية الله خامنئي (من دون أن يذكر اسم الرئيس محمد خاتمي) والرئيس الأسد والرئيس لحود، أي: الى الخط الذي عبرت عليه تلك الرسائل للوصول الى فرحة التحرير، من دون نسيان الإمام المغيّب موسى الصدر.‏‏
عباس الموسوي يُنتخب عام 1991 أميناً عاماً لحزب الله، والشيخ نعيم قاسم نائباً له، أما نصر الله فعُيّن المسؤول التنفيذي لقرار مجلس الشورى.‏‏
بعد عام واحد يستشهد الموسوي برصاص الإسرائيليين، وفي الجنوب يبكيه نصر الله كما لم يبك أحداً من قبل، فهو أستاذه ورفيق نضاله وجهاده، وقضى في سبيل الله، ومن المفارقات أيضاً أنّ الرجلَين شديدا الشبه ببعضهما بعضاً (مع بعض الفارق في القامات).‏‏
مجلس الشورى ينتخب نصر الله أميناً عاماً لأسباب عاطفية وسياسية رغم أنه الأصغر سناً بين أعضاء المجلس وأنه لم يكن نائباً للأمين العام السابق. هنا، وفي لحظة الحزن والألم: لم يفقد نصر الله البوصلة رغم تمنيه الشديد أن يعطى المنصب لغيره، وكان القرار الصعب الذي غيّر معادلات محلية وإقليمية..‏‏
يقول السيد أنه بعد استشهاد الموسوي أرادت إسرائيل استكمال حربها النفسية، فبدأت بقصف بلدات وقرى بغية تهجير أهلها، أي أنها أرادت خلق فراغ على مستوى القيادة وتفريغ للأرض على مستوى القاعدة، الأمر الذي استدعى رداً استتنائياً يلجم خطتها، فكانت الكاتيوشا، وكان مشهداً مميزاً بالنسبة إليه: عشرات العائلات في الجنوب تعود الى قراها رغم شراسة القصف الإسرائيلي، وعشرات العائلات الإسرائيلية في المطلة وكريات شمونة تهرع الى الملاجئ مذعورة من صواريخ المقاومة.‏‏
"توازن الرعب": أسماه "السيد من دون اكتراث لموازين القوى، كان حاسماً في خياراته على المستوى العقائدي والسياسي وواثقاً بقدرات المقاومين، لذلك تلقى بهدوء شديد واهتمام أشد كل "النصائح" المحلية والإقليمية والدولية، لكنه لم يتراجع قيد أنملة عن الخطاب الذي أوصله الى الأمانة العامة.‏‏
في 1993 أعيد انتخابه، فأصبح الرجل رقماً صعباً في المعادلة، ولم يكن يطلب أكثر من استقرار لبنان وبسط الشرعية نفوذها الأمني والسياسي، لأنه رأى في ذلك دعماً للمقاومة.‏‏
لم يمانع (السيد) دخول الحزب الانتخابات النيابية، ونجح في إيصال عدد كبير من النواب والأنصار، ورفَض عند تظاهرات التنديد باتفاق أوسلو مواجهة مع الجيش رغم سقوط قتلى وجرحى في صفوف الحزب، (كما) ثبّت (السيد) علاقاته الإقليمية مع سورية وإيران، وانفتح لبنانياً على مختلف المرجعيات الدينية والسياسية، وبات مألوفاً رؤية الكاردينال صفير مجتمعاً مع نواب الحزب يتبادلون الأحاديث والابتسامات، أو رؤية قياديين في الحزب يتحاورون في المنتديات والتلفزيونات بكل هدوء مع معارضين لهم في الرأي.‏‏
أما على صعيد المواجهة مع إسرائيل، فيسجَّل لنصر الله -الى جانب الكاتيوشا- أنه أدار بعقل أمني حرباً استخباراتية هزّت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وتسجّل قرى الجنوب عشرات المواجهات التي "اصطادت" بها المقاومة الجنود الإسرائيليين بعد استدراجهم وتضليل قياداتهم، وربما سيأتي اليوم الذي يحكي فيه السيد قصة عملية أنصارية التي قُتل وجُرح فيها أكثر من 25 جنديا إسرائيلياً من رتب رفيعة.‏‏
واستطاع نصر الله أيضاً تغيير مقاربة الحزب والأهالي لأعضاء "جيش لحد" المتعاون مع إسرائيل، فهو لم يتعامل معهم بالجملة، بل بالمفرق، وليس بالقوة والعنف دائما، بل باللين أحيانا، متمكناً من اختراق أهم أجهزة هذا الجيش وتوظيف العناصر لمصلحة الحزب، وهو قال في حديث له عقب التحرير لقناة "الجزيرة" أنه عندما يحين الوقت سيكشف عناصر التعاون وكيف استطاع الحزب مواجهة إسرائيل استخباراتياً ومن داخل أجهزتها.‏‏
محطة أخرى نقلت الحزب في عهد نصر الله من لاعب أساسي في لبنان الى لاعب أساسي إقليمي: بعد "عناقيد الغضب" و"مجزرة قانا" (عام 1996) اتفق وزير الخارجية الأميركي (آنذاك) وارن كريستوفر ونظيره الفرنسي هيرفيه دوشاريت والرئيس حافظ الأسد والمسؤولون الإسرائيليون على ما عُرف بـ"تفاهم إبريل"، وهو "عملية تنظيم للاشتباك في الجنوب"، فاعتُرف للمرة الأولى دولياً بحق المقاومة في العمل والتحرك بعدما كانت هذه المقاومة توصم بالإرهاب أوروبياً وأميركياً، هذا التفاهم الذي ستثبت الأيام أنه أوجد حال سوء تفاهم دائمة بين حكومتَي نتنياهو وباراك من جهة وبين الإسرائيليين الذين لم يستوعبوا معنى استقبال أولادهم قتلى تحت مظلة آلية مراقبة دولية تجتمع في الناقورة وتكتفي بدعوة الأطراف الى ضبط النفس.‏‏
"أولادهم ليسوا أغلى من أولادنا، وعليهم أن يفهموا أننا أقوى بحقنا وإيماننا" (يقول السيد وهو يضبط إيقاع الضربات على التوازن الإقليمي-الدولي).‏‏
أولادهم وأولادنا؟ عام 1997: تصطاد إسرائيل هذه المرة ثلاثة مقاومين بينهم هادي إبن السيد، وعمره 18 عاماً. هنا مشهد آخر من مشاهد القيادة، وقف الرجل خطيباً في تأبين فلذة كبده كما يقف خطيباً في تأبين أي مقاوم استشهد في "حزب الله"، بل حرص على أن يكون التأبين عادياً جداً.‏‏
يومها، ذُهل الحضور من تماسك نصر الله وهو يتحدث كيف ودّع هادي والدته ثم قبّله ومضى في مهمة جهادية، وكيف أنه عندما تلقى الخبر صلّى معتبراً أنّ الله أكرم عائلته بالشهادة. كان يتحدث بحزن ولكن بطلاقة، وكان حريصاً على ألا تأخذ صورة ابنه حجماً أكبر من صوَر غيره من الشهداء، وإن كانت صورته هو كقائد أخذت حقيقةً حجماً أكبر من صور أقرانه من الزعماء الذين لم يورّثوا أبناءهم أساليب جهاد، وإنما ورّثوهم عباءات الزعامة السياسية.‏‏
ويقول الذين وقفوا الى جانب السيد يتلقون التعازي بهادي أنه أغمض عينيه على دمعتين فقط ثم انصرف الى الصلاة، وعندما عاد ابنه جثة بعد عملية التبادل الشهيرة اختلى به مكفّناً وبكى وقرأ لروحه آيات وأدعية ومسح رأسه ثم قبّل جبينه وانصرف.‏‏
من بصمات نصر الله الجديدة في الحزب أيضاً استخدامه السلاح الإعلامي بحدوده القصوى، فمن تلفزيون متواضع وإذاعة أكثر تواضعاً استطاع الحزب خلق حالة استنهاض كبيرة في الشارع، حتى لدى الذين يعارضونه ولا يوافقون على مبدأ المقاومة. وغالباً ما تسمّر اللبنانيون أمام شاشة "المنار" لمتابعة عملية استشهادية بالصوت والصورة، أو رؤية "فيديو كليب لأغان عن حزب الله ومقاوميه، أو خطب قادته.. مع شعور دائم باحتمال وجود مفاجأة قد تُعلن بين ساعة وأخرى مثل رؤية عملية "اصطياد" لجندي إسرائيلي أو متعامل على الهواء مباشرةً.‏‏
لم يخرج السيد في كل محطات العمل على خياراته، وبقي منسجماً مع نفسه وخطه حتى لو برزت ثغرة هنا أو احتجاج هناك، وتعامَل بنفس الروح الهادئة مع تحديات الداخل والخارج، لأنه رأى في ذلك الأسلوب الأنجح لحفظ الطاقات وعدم التفريط ولو بالهامشي منها. ويذكر الجميع كيف استوعب ظاهرة الشيخ صبحي الطفيلي ومنع تحويل خروج الأخير من الحزب الى حالة انشقاق، وكيف عطّل كل محاولات الصدام بين القواعد في البقاع رغم أنّ عوامل الاحتكاك على الأرض كانت موجودة بقوة.‏‏
قبل أسابيع من التحرير: كان الخطاب السياسي اللبناني يتخبط ويعطي انطباعاً بعدم الرغبة في رؤية إسرائيل نتسحب، وكان الخطاب الإقليمي يتأرجح بين مصدّق وغير مصدّق، وبين منتظر وخائف.. وحده خطاب نصر الله كان ثابتاً ولافتاً، لم يتحجج بأي عنصر داخلي أو خارجي، بل رتّب العناصر بشكل منسجم لدعم خطة التحرير، إلا أنه خرج بشكل لافت على هدوئه وخطابه المتزن عندما قال لعناصر لحد أنّ الحزب سيذبحهم في مخادعهم وأنه لن يفيدهم أي دعم من أي مرجع، وأوضح السيد لاحقاً أنه تعمّد الخروج على أسلوبه المعتاد لخلق حالة رعب حقيقية تسهّل عملية دخول الأهالي والمقاومين لحظة التحرير، ولقد نجح في ذلك بدليل أنّ عناصر لحد فرّوا تاركين أسلحتهم ومعدّاتهم وحتى ثيابهم، ومن لم يفر سلّم نفسه طوعاً الى الحزب أو الأحزاب الأخرى، وتسلمتهم السلطة اللبنانية بدورها.‏‏
ربما لم ينم حسن نصر الله من 20-5 الى 26-5-2000، أي منذ اليوم لتجميع الإسرائيليين معداتهم وآلياتهم وجنودهم وبدء تراجعهم الفعلي، وانتهاءً بخطابه التاريخي في بنت جبيل بحضور عشرات الآلاف وقرب الحدود مع الإسرائيليين.‏‏
ربما لم ينم، فعلى مدار الساعة كان يظهر سواء بمؤتمر صحافي، أو في لقاء إعلامي مسائي، أو في استقبال المحررين من معتقل الخيام في الثالثة فجراً، تشعر انه لم ينم، لكنك لا تشعر أنه تعِب أو منهك: ما خلا نظرات مرهقة وحركة آلية خلال الخطب لإعادة العمامة الى وضعها الطبيعي.‏‏
في بنت جبيل قصة مختلفة، فعلى رغم كل النصائح المختلفة أصرّ السيد على لقاء في الهواء الطلق وقرب الحدود التي فر منها الإسرائيليون، الخطاب لم يتضمن هذه المرة دعوة لذبح العملاء، بل دعوة لبناء مستقبل مشترك لجميع اللبنانيين، لم يسكر نصر الله بالنصر، لم يهدد أو يتوعد، لم يطلب حصة سياسية توازي دوره، طالب بالتواضع وانسحب من المرجعية الأمنية، وتحدث عن "لصوص" سرقوا، طالباً تناسي الأحقاد وعدم تكبير حدث عارض ووضعه في موازاة التحرير، وفي اللقاء نفسه كان حرس السيد مختلفين أيضاً، فقد ارتدوا بدلات أنيقة ونظارات من ماركات عالمية في إشارة الى أنّ رحيل إسرائيل قد يأخذ معه الثياب المرقطة من كل الفرقاء في لبنان.‏‏
***‏‏
في بنت جبيل لخّص السيد نفسه.. مسيرته.. أسلوب عمله.. هو الفقير الغني بإيمانه، والضعيف القوي بعقيدته، المسلم الحريص على التعايش، والثائر الحريص على دولته وشرعيته، تحدث عن خياراته السياسية من دون عقد، عن الاستقرار المطلوب من دون نفاق، شكَر إيران وسورية والصامدين في الأرض والشهداء والمقاومين ولحود والحص وحركة أمل والأحزاب الوطنية الأخرى، لأنه لا يريد لمن راهن على التناقضات بعد التحرير أن ينتصر على الانتصار، وفي الوقت نفسه طالَب أن لا يصادر أحد هذا النصر، فهو للأرض.. كل الأرض، ولم ينس بعلبك-الهرمل: المنطقة التي كانت خزاناً للمقاومة وعمِل فيها أعواماً طويلة مناضلاً ومحاوراً وملتصقاً بحرمان أهلها.‏‏
الوحدة والاستقرار والتعايش ومساحات اللقاء والحوار توازي في خطاب السيد عمليات المقاومة. تحدث عن دور الدولة لأن "خبز المجاهدين" لا يكفي للإعمار والتعويض، وأكّد أنّ الحزب ليس مرجعية أمنية، رافعاً الغطاء حتى عن أعضائه إذا سوّلت لهم أنفسهم سلوك درب آخر، وقارن بين رد فعل المقاومة تجاه العملاء ورد فعل المقاومة الفرنسية تجاه المتعاملين مع النازيين ليخلص الى "أننا أكثر حضارة من فرنسا".‏‏
(السيد) أكثر شراسة في المقاومة من أي مقاومة أخرى، وأكثر حضارة بعد التحرير من أي مناسبات مشابهة، ويبقى الامتحان الجديد رهناً بتطورات الزمن، ويبدو أنّ السيد يتجاوز الامتحان بكل تقدير، فكما كان يعتمر العمامة بكل أهلها (أي بكل قيَمها ومبادئها وزهدها ودورها وفكرها وتراثها) تمسك بالعباءة بكل امتداداتها عندما ردّ النصر للجميع لا لحزبه فقط، معطياً إشارات في شتى الاتجاهات.‏‏
أسمَعوه كلاماً في حوار تلفزيوني لم يسمعه أحد، اعتبروه "خميني العرب" و"سيد الزعماء" وقرأوا له القصائد من كل العواصم، ولم تلمع عيناه زهواً بل زهداً وببريق جديد مغلّف بالترقّب.‏‏
فتَح باب الانتصار ولم يدخله وحيداً، وغادر صالونات التهنئة سريعاً الى المجاهدين في الحزب ومجالسهم وخبزهم وكتابهم.. والى أولاده محمد جواد وزينب ومحمد علي.. وصورة هادي.‏‏
من مدرسة "النجاح" صغيراً الى النجاح في مدرسة الحياة كبيراً، أصرّ على خطه فاستحق لقب "سيد المقاومة والتحرير"، لبنان كبير أيضاً: إنما برجالاته لا بمساحته هذه المرة.‏‏

المحتویات ذات صلة
کتابة التعلیق

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.