نام: موبایل:
نشرت فی 09 جولای 2014 | الفئة : الوجودیة

الطرق الصحيحة إلى معرفة الله

حجم الخط

إِنَّ ذاتَه سبحانه و أَسماءَه و صفاتَه و أَفعالَه، و إنْ كانت غيرَ مسانخة لمُدْرَكات العالَم المحسوس، لكنها ليست على نحو يستحيل التعرفُ عليها بوجه من الوجوه. و من هنا نجد أَنَّ الحكماء و المتكلمين يسلكون طرقاً مختلفة للتعرف على ملامح العالَم الرُّبوبي، و هم يرون أَنَّ ذلك العالم ليس على وجه لا يقع في أُفق الإِدراك مطلقاً، بل هناك نوافذ على الغيب عقليةٌ و نقليةٌ، يُرى منها ذلك العالم الفسيح العظيم.

وها نحن نشير إلى هذه الطرق:
الأول – الطريق العقلي

إِذا ثبت كونه سبحانه غنياً غيرَ محتاج إلى شيء، فإِنَّ هذا الأَمر يمكن أَنْ يكون مبدأً لإِثبات كثير من الصفات الجلالية، فإِنَّ كل وصف استلزم خللا في غناه و نقضاًله، انتفى عنه ولزم سلبُه عن ذاته.و قد سلك الفيلسوف الإِسلامي نصير الدين الطوسي هذا السبيل للبرهنة على جملة من الصفات الجلالية حيث قال: « ووجوب الوجود يدل على سَرْمَدِيَّتِه، و نفي الزائد، و الشريك، و المِثْل، و التركيب بمعانيه،

و الضَّدّ، و التَّحَيُّز، والحُلول، و الإِتحاد، و الجهة، و حلول الحوادث فيه، و الحاجة، و الأَلم مطلقاً و اللذة المزاجية، و المعاني و الاحوال و الصفات الزائدة و الرؤية» .

بل انطلق المحقق من نفس هذه القاعدة لإِثبات سلسلة من الصفات الثبوتيّة حيث قال: « ووجوب الوجود يدل على ثبوت الوجود، والمُلْك،

والتّمام، والحقيّة، والخيريّة، والحكمة، والتجبر، والقهر، والقيوميّة» (1).

و قد سبقه إلى ذلك مؤلِّف الياقوت إذا قال: « و هو (وجوب الوجود) ينفي جملة من الصفات عن الذات الإِلهية و أَنَّهُ ليس بجسم، و لا جوهر، ولا عرض، ولا حالاًّ في شيء ولا تَقُوم الحوادث به وإِلا لكان حادثاً» (2).

و على ذلك يمكن الإِذعان بما في العالم الرُّبوبي من الكمال و الجمال بثبوت أصل واحد و هو كونُه سبحانَه موجوداً غنياً واجبَ الوجود، لأَجل بطلان التسلسل الذي عرفته. و ليس إِثباتُ غناه و وجوبِ وجودهِ أَمراً مُشكلا على النفوس.

ومن هذا تنفتح نوافذ على الغيب و التعرف على صفاته الثبوتية والسلبية، وستعرف البرهنة على هذه الصفات من هذا الطريق.
الثاني: المطالعة في الآفاق و الأَنْفُس

من الطرق و الاصول التي يمكن التَّعرفُ بها على صفات الله، مطالعة الكون المحيط بنا، و ما فيه من بديع النظام، فإِنه يكشف عن علم واسع و قدرة مطلقة عارفة بجميع الخصوصيات الكامنة فيه، و كلِّ القوانين التي تسود الكائنات. فمن خلال هذه القاعدة و عبر هذا الطريق أي مطالعة الكون، يمكن للإِنسان أنْ يهتديَ إلى قسم كبير من الصفات الجمالية.

و بهذا يتبين أَنَّ ذات الله سبحانه و صفاته – بحكم أَنها ليس كمثلها شيء ليست محجوبةً عن التعرُّفِ المُطْلَق و غيرَ واقعة في أٌفق التعقل، حتّى نعطل العقول ونقول: «إنما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإِدراك الربوبية ». و قد أَمر الكتاب العزيز بسلوك هذا الطريق. يقول سبحانه: { قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ}(3). و قال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَات لاُِّوْلِي الاَْلْبَابِ}(4). و قال سبحانه: {إِنَّ فِي اخْتِلافِ الَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ لآَيَـات لِّقَوْم يَتَّقُونَ}(5).

و قد سلك هذا الطريق المحقق الطوسي في إثبات صفة العلم و القدرة حيث قال: « و الإِحكامُ والتَجَرّدُ و استنادُ كلِّ شيء إليه دليلُ العلم».

الثالث: الرجوع إلى الكتاب و السنَّة الصحيحة

و هناك أَصل ثالث يعتمد عليه أَتباع الشرع، و هو التعرف على أَسمائه و صفاته و أَفعاله بما ورد في الكتب السماوية و أَقوال الأَنبياء و كلماتهم ، و ذلك بعدما ثبت وجودُه سبحانه و قسمٌ من صفاته، ووقفنا على أنَّ الأَنبياءَ مبعوثون من جانب الله و صادقون في أَقوالهم و كلماتهم.

و باختصار، بفضل الوَحْي – الذي لا خطأ فيه ولا زَلَل – نَقِفُ على ما في المَبْدَأ الأَعلى من نعوت و شؤون. فَمِنْ ذلك قولُه سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَـالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَ الاَْرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(6).

و سيوافيك أنّ اسماءه في القرآن مائة و ثمانية و عشرون إِسماً.
الرابع: الكَشْفُ والشُّهود

و هناك ثُلَّةٌ قليلةٌ يشاهدون بعيونِ القلوبِ ما لا يُدْرَكُ بالأَبْصار، فَيَرَوْن جمالَهُ و جلالَه و صفاتَه و أَفعالَه بإِدراك قلبي، يدرك لأَصحابه و لا يوصَفُ لغيرهم.

والفُتوحاتُ الباطنيّة من المكاشفات و المشاهدات الروحيّة و الإِلقاءات في الروع غَيْرُ مَسْدودَة، بنص الكتاب العزيز. قال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}(7). أَي يجعل في قلوبكم نوراً تُفَرِّقون به بين الحقِّ و الباطلِ و تُمَيِّزون به بين الصحيحِ و الزائفِ لا بالبَرْهَنَةِ والإِستدلال بل بالشهود و المكاشَفَة.

وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَ يَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(8).

و المُراد من النور هو ما يمشي المؤمن في ضوئه طيلةَ حياتِه، في معاشه و معاده، في دينه و دنياه (9).

و قال سبحانه: {وَ الَّذِينَ جَـاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}(10).، إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة في أَنَّ المُؤمِنَ يَصِلُ إلى معارف و حقائِق في ضوء المُجاهدة و التَّقوى، إلى أَنْ يقدر على رؤية الجحيم في هذه الدنيا المادية، قال سبحانه: { كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينَ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ}(11).

نعم ليس كلُّ من رمى أصاب الغَرَض، و ليست الحقائق رمية للنِّبال، و إِنما يَصِل إليها الأَمْثَلُ فالأَمْثَل، فلا يحظى بما ذكرناه من المكاشفات الغيبية و الفتوحات الباطنية إِلاّ النزر القليل ممن خَلُصَ روحُه و صفى قلبُه.

وقد بان بهذا البحث الضافي، أَنه ليس لمسلم التوقف عن محاولة التعرف على صفات الله و أَسمائه بحُجَّة أنَّه لا مسانخة بين البشر و خالقهم.

نعم، نحن لا نَدَّعي أَنَّ بعضَ هذه الطرق ميسورَةَ السلوكِ للعامة جميعاً، بل منها ما هو عام مُتاحٌ لكلِّ إنسان يريد معرفة ربه، و منها ما هو خاص يستفيد منه من بلغ مبلغاً خاصاً من العلم و المعرفة.

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني

________________________________________

الهوامش:

(1) – تجريد الإِعتقاد، باب إِثبات الصانع و صفاته، ص 178 – 185.

(2) – أنوار الملكوت في شرح الياقوت، ص 76 و 80 و 81 و 99.

(3) – سورة يونس: الآية 101.

(4) – سورة آل عمران: الآية 190.

(5) – سورة يونس: الآية 6.

(6) – سورة الحشر: الآيتان 23 و 24.

(7) – سورة الأنفال: الآية 29.

(8) – سورة الحديد: الآية 28.

(9) – أَما في الدنيا فهو النور الذي أَشار إليه سبحانه بقول: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ وفِي الظُّـلُمَـتِ لَيْسَ بِخَارِج مِّنْهَا } (سورة الأنعام: الآية 122). و أَمّا في الآخرة فهوما أَشارإليه سبحانه بقوله: { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَـتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَـنِهِم } ( سورة الحديد: الآية 12( .

(10) – سورة العنكبوت: الآية 69.

(11) – سورة التكاثر: الآية 5ـ6.

المحتویات ذات صلة
کتابة التعلیق

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.