نام: موبایل:
الرئیسیة » الإمام الخمیني » الکتب » أبعاد الحج في كلام الإمام الخميني
نشرت فی 03 اکتبر 2014 | الفئة : الکتب

أبعاد الحج في كلام الإمام الخميني

حجم الخط

التربية والمجتمع

مظاهر عينية من فكر الإمام الخميني قدس سره

الإنسان والتربية الخصائص الذاتية والفطرية للإنسان

البحث الفطري عن الكمال

يقول أهل اللغة والتفسير: إن “الفطرة ” تعني الخلقة، وفي الصحاح “الفطرة” بالكسر “الخلقة” ويمكن أن تكون الكلمة مأخوذة من “فطر” أي “شقّ ومزقّ” كأن الخلقة أشبه بشق حجب العدم والغيبة، وبهذا المعنى يكون إفطار الصائم فكأنه يمزق الهيئة الاتصالية للإمساك.

على كل حال، البحث اللغوي خارج عن نطاق بحثنا، وبالجملة هذا الحديث الشريف إشارة إلى الآية المباركة في سورة الروم: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ “1.

إعلم أن المقصود من “فطرة الله” التي فطر الناس عليها هو الحال والكيفية التي خلق الناس عليها، وهم متّصفون بها والتي تعد من لوازم وجودهم ولقد “تخمّرت ” طينتهم بها في اصل الخلق والفطرات الإلهية، كما سيتبيّن فيما بعد. من الألطاف التي خصّ الله بها الإنسان

1- سورة الروم، الآية 30.

من بين جميع المخلوقات، إذ أن الموجودات الأخرى غير الإنسان، إما أنها لا تملك أصلا مثل هذه الفطرات المذكورة، وأما أن لها حظاً ضئيلاً منها.

وهنا لابد من معرفة أن الفطرة، وإن فسرت في هذا الحديث الشريف وغيره من الأحاديث بالتوحيد، إلاّ أن هذا هو من قبيل بيان المصداق، أو التفسير بأشرف أجزاء الشيء، كأكثر التفاسير الواردة عن أهل بيت العصمة “ع” حيث أنها نوع من هذا القبيل، في كل مرة تفسر بمصداق بحسب مقتضى المناسبة، فيحسب الجاهل أن هناك تعارضاً، والدليل على أن المقام يشمل التوحيد والمعارف الأخرى.

وفي صحيحة عبد الله بن سنان2 فسرت الفطرة بالإسلام، وفي حسنة زرارة3 فسرت بالمعرفة، وفي الحديث المعروف “كل مولود يولد على الفطرة”4 جاءت في قبال “التهود” والتمجّس”، كما أن الإمام الباقر عليه السلام في حسنة زرارة المذكورة فسّرها بالمعرفة وعليه

2- الصحيحة، هي الرواية التي يكون جميع سلسة رواتها حتى الوصول إلى المعصوم هم من شيعة أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن العدول والثقاة، وعبد الله بن سنان هذا من أولئك، ومن رواة أحاديث الإمام الصادق”ع”.

3- حسنة هي الرواية التي يكون جميع سلسلة رواتها من الاماميين لكن فيهم شخص أو عدّة أشخاص لم يعرفوا بالعدالة لكنهم ممدوحون. أبو علي زرارة بن أعين بن سنسن الشيباني، ولقبه زرارة وكنيته الأخرى أبو الحسن هو تابعي، ومن المحدّثين ومن فقهاء الإمامية، ومن رواة الإمام محمد بن علي الباقروالإمام جعفر بن محمد الصادق والإمام موسى بن جعفر الكاظم”ع” كتابه “في الاستطاعة والجبر” عمّر تسعين عاماً، وتوفي عام 150هـ.

4- عوالي اللاّليء، ج1 ص35 الفصل الرابع، الحديث 18.

فالفطرة ليست مقصورة على التوحيد، بل إن جميع المعارف الحقّة هي من الأمور التي فطر الله تعالى الإنسان عليها.

لابدّ من أن نعرف بأن ما هو من أحكام الفطرة لا يمكن أن يختلف فيه اثنان، لأنها من لوازم الوجود وهي هيئات تخمرت في اصل الطينة والخلقة، فالجميع من الجاهل والعالم والمتوحش والمتحضر والمدني والبدوي متفقون في ذلك، وليس ثمة منقذ للعادات والمذاهب والطرق المتلفة للتسلل إليها والإخلال بها. إن اختلاف البلاد والأهواء والمأنوسات والآراء والعادات التي توجب وتسبب الخلاف والاختلاف في كل شيء، حتى في الأحكام العقلية، ليس لها تأثير أبداً في الأمور الفطرية، كما أن اختلاف الإدراك والإفهام قوة وضعفاً لا تؤثر فيها وإذا لم يكن الشيء بتلك الكيفية فليس من أحكام الفطرة، ويجب إخراجه من فصيلة الأمور الفطرية، ولذلك تقول الآية “فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا”5 أي أنها لا تختص بفئة خاصة ولا طائفة من الناس، ويقول تعالى أيضاً “لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ”6 أي لا يغيّره شيء، كما هو شأن الأمور الأخرى التي تختلف بتأثير العادات وغيرها.

ولكن مما يثير الدهشة والعجب انه على الرغم من عدم وجود أي خلاف بشأن الأمور الفطرية، من أول العالم إلى آخره، فإن الناس نوعاً غافلون عن أنهم متفقون، ما لم ينبههم احد على ذلك، وعند ذلك يدركون أنهم كانوا موافقين في صورة المخالفة.

وهذا ما تشير إليه الجملة الأخيرة من الآية الشريفة: “وَلَكِنَّ أَكْثَرَ

5- سورة الروم، الآية 6.

6- مر ذكره سابقاً.

النَّاسِ لَا يَعْلَمُون”7 إن أحكام الفطرة أكثر بداهة من كل أمر بديهي، إذ لا يوجد في جميع الأحكام العقلية حكم مثلها في البداهة والوضوح، حيث لم يختلف فيه الناس ولن يختلفوا، وعلى هذا الأساس تكون الفطرة من أوضح الضروريات وأبده البديهيات، كما أن لوازمها أيضاً يجب أن تكون من أوضح الضروريات، فإذا كان التوحيد أو سائر المعارف من أحكام الفطرة أو من لوازمها، وجب أن يكون من أوضح الضروريات وأجلى البديهيات “وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”.

إعلم أن المفسرين، من العامة والخاصة، فسّروا كلّ على طريقته كيفية كون الدين أو التوحيد من الفطرة، ولكننا في هذه الوريقات لا نجري مجراهم، وإنما نستفيد في هذا المقام من آراء الشيخ العارف الكامل (الملك الآبادي)8 الذي هو نسيج وحده في هذا الميدان ولو أن بعضها قد ورد بصورة الإشارة والرمز في بعض كتب المحققين من أهل المعارف وبعضها الآخر مما خطر في فكري القاصر.

اذاً لابد أن نعرف أن من أنواع الفطرات الإلهية ما يكون على “أصل وجود المبدأ” تعالى وتقدس ومنها الفطرة على “التوحيد” وأخرى على “استجماع ” ذات الله المقدسة لجميع الكمالات، وأخرى على “المعاد ويوم القيامة” وأخرى على “طريق النبوة” و “وجود الملائكة والروحانيين وإنزال الكتب وإعلان طريق الهداية”. وهذه الأمور بعضها من أحكام الفطرة والإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وبيوم القيامة وهو الدين القيّم المحكم والمستقيم والحق على امتداد حياة المجموعة البشرية.

7- مر ذكره سابقاً.

8- مقطع من بيت شعر للشاعر الإيراني حافظ الشيرازي.

… إن إحدى الأمور الفطرية التي جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها، بحيث أنك لن تجد فرداً واحداً في كل المجموعة البشرية يخالفها، والعادات والأخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها لا يمكن أن تبدلها ولا أن تحدث فيها خللاً “فطرة عشق الكمال”، فإنك إن تجولت في جميع الأدوار التي مرّ بها الإنسان واستنطقت كل فرد من أفراد كل طائفة من الطوائف، كل ملة من الملل، لوجدت هذا العشق والحب قد جبل في طينته، ووجدت قلبه متوجهاً نحو الكمال بل إن ما يحرك الإنسان ويدفعه في سكناته وتحركاته وكل العناء والجهود المضنية التي يبذلها كل فرد في مجال عمله وتخصصه، إنما هو نابع من حب الكمال وإن كل الناس مختلفين تمام الاختلاف في تشخيص الكمال وفي أي شيء هو، والمحبوب المعشوق اين هو.

فكلّ وجد وظن معشوقه في شيء، وتوهم كعبة آماله في أمر معيّن فتوجه إليه وطلبه من قلبه وروحه، إن أهل الدنيا وزخارفها يحسبون الكمال في الثروة، ويجدون معشوقهم فيها، فيبذلون من كل وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل تحصليها، فكل شخص مهما يكن نوع عمله، ومهما يكن موضع حبه وعشقه، فإنه لاعتقاده بأن ذلك هو الكمال يتوجه نحوه، وهكذا حال أهل العلوم والصنايع، كل بحسب سعة فهمه يرى الكمال في شيء، ويعتقد انه معشوقه، بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك.

وبالجملة، فجميعهم يسعون في نحو الكمال، ولأنهم شخصوه في شيء موجود أو موهوم تعلّقوا به وعشقوه، ولكن لابدّ أن نعرف انه على الرغم من هذا الذي قيل، فإن حب هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة

لهذا المعنى الذي ظنوه بأنه معشوقهم، وإن ما توهّموه وتخيّلوه ويبحثون عنه ليس هو كعبة آمالهم، إذ لو أن كل واحد منهم رجع إلى فطرته لوجد أن قلبه في الوقت الذي يظهر العشق لشيء فإنه يتحول فوراً عن هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني أكمل من الأول، ثم إذا عثر على أكمل من الثاني، ترك الثاني وانتقل بحبه إلى الأكمل منه، وعندما يصل إليه، فانه يتوجه نحو الأكمل منه، بل أن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً حتى لا يعود قلبه يلقي برحاله في أية درجة من الدرجات ولا يرضى بأي حد من الحدود.

مثلاً، إذا كنت تحب الجمال ونضارة الوجوه وعثرت على ذلك عند من تراه كذلك، توجّه قلبك نحوه، فإذا لاح لك جمال أجمل، لا شك انه سوف تتوجه قهراً إلى الجميل الأجمل، أو انك على الأقل تطلب الاثنين معاً، ومع ذلك لا تخمد نار الاشتياق عندك، ولسان حالك “لا أملك شيئاً وإلاّ فإنني طالب لكل الست” ولسان فطرتك يقول: بل انك تطلب كل جميل تراه أجمل، بل تزداد اشتياقاً بالاحتمال، فإذا احتملت أن هناك جميلاً أجمل مما تراه بعينك وعندك في مكان ما لحلّق قلبك طائراً إلى ذلك المكان، ولسان حالك يقول “اجلس بين الجمع وقلبي في مكان آخر”9 بل تعشق ما تتمنى، فأنت إن سمعت بأوصاف الجنة وما فيها من الوجوه الساحرة، حتى وإن لم تكن تؤمن بالجنة لا سمح الله.. قالت فطرتك: ليت هذه الجنة موجودة، وليتهن كنّ من نصيبيّ

وهكذا الذين يرون الكمال في السلطان والنفوذ واتساع الملك يتجه

9- شعر للشاعر الإيراني “سعدي” يقول فيه: هل سمعتم بوجود الحاضر الغائب ها أنا بين الجمع وقلبي في مكان آخر

حبهم واشتياقهم إلى ذلك، فهم إذا بسطوا سلطانهم على دولة واحدة توجّهت أنظارهم إلى دولة أخرى، فإذا دخلت تلك الدولة أيضاً تحت سيطرتهم، تطلعت أعينهم إلى أكثر من ذلك، وكلما استولوا على قطر، اتجه حبهم إلى الاستيلاء على أقطار أخرى، بل تزداد نار تطلعاتهم لهيباً، وإذا بسطوا سلطانهم على الأقطار كلها واحتملوا إمكان بسط سلطتهم على الكواكب الأخرى، لتمنّت قلوبهم أن لو كان بالامكان أن يطيروا إلى تلك العوالم كي يخضعوها لسيطرتهم.

وعلى هذا القياس هو حال أصحاب الصناعات ورجال العلم وبالجملة حال كل أفراد الجنس البشري، مهما تكن مهنتهم وحرفهم، فهم كلما تقدموا فيها مرحلة متقدمة، رغبوا في بلوغ مرحلة أكمل من سابقتها، ويشتدّ شوقهم وتطّلعهم.

إذاً، فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع أبناء البشر، من أهالي أقصى المعمورة وسكان البوادي والغابات، إلى شعوب الدول المتحضرة في العالم، وابتداء بالطبيعيين والماديين، وانتهاءً بأهل الملل والنحل، تتوجه قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الذي لا نقص فيه، ويعشقون الكمال والجمال الذي لا عيب فيه، والعلم الذي لا جهل فيه والقدرة التي لا تعجز عن شيء، والحياة التي لا موت فيها، أي أن “الكمال المطلق” هو معشوق الجميع، جميع الكائنات والعائلة البشرية، يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد: إننا نعشق الكمال المطلق، إننا نحب الجمال والجلال المطلق، إننا نطلب القدرة المطلقة والعلم المطلق، هل هناك في جميع سلسلة الكائنات في عالم التصور والخيال، وفي كل التجويزات العقلية والاعتبارية، كائن مطلق الكمال ومطلق الجمال،

سوى الله تقدست أسماؤه، مبدأ العالم جلّت عظمته؟ وهل الجميل على الإطلاق الذي لا نقص فيه إلاّ ذلك المحبوب المطلق؟

فيا أيها الهائمون في وادي الحيرة والضائعون في صحاري الضلالات، بل ايتها الفراشات الهائمة حول شمعة الجميل المطلق يا عشّاق الحبيب الخالي من العيوب والدائم الأزلي، عودوا قليلاً إلى كتاب ذاتكم لتروا أن الفطرة الإلهية قد كُتبت فيه بقلم القدرة: “وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض”10 فهل أن “فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا “11 هي فطرة التوجه نحو المحبوب المطلق؟ أم أنها الفطرة الثانية “لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ” هي فطرة المعرفة ؟ فإلى متى توجه هذا العشق الإلهي الفطري وهذه الوديعة الإلهية نحو هذا وذاك بحسب الخيالات الباطلة؟ إذا كان محبوبك هو هذا الجمال الناقص والكمالات المحدودة، فلماذا عندما تصل إليها يبقى اشتياقك ملتهباً لا يخمد، بل يزداد ويشتد؟

تيقّظ من نوم الغفلة واستبشر فرحاً بأن لك محبوباً لا يزول ومعشوقاً لا نقص فيه، ومطلوباً من دون عيب، وإن لك مقصوداً يكون نور طلعته “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”12 وإن لك محبوباً سمة إحاطته “لو دُلّيتم بحبل إلى الأرضين السفلى لهبطتم على الله”13 إذن يستوجب عشقك الفعلي معشوقاً فعلياً، ولا يمكن أن يكون شيئاً متوهماً ومتخيلاً، إذ كل موهوم ناقص، والفطرة إنما تتوجه إلى الكامل، فالعاشق الفعلي والعشق الفعلي لا يكون من دون معشوق، ولا يكون غير

10- سورة الانعام: الآية 79.

11- سورة الروم الآية 30.

12-سورة النور، الآية 35..

13- مر ذكره سابقاً.

الذات الكاملة، معشوقاً تتجه إليه الفطرة، فلازم عشق الكامل المطلق وجود الكامل المطلق، وقد سبق أن عرفنا أن أحكام الفطرة ولوازمها أوضح من جميع البديهيات “أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ”.

إن توحيد الله تعالى شأنه، واستجماع ذاته لكل الكمالات من الأمور الفطرية.

إعلم أن من الأمور الفطرية التي (فطر الناس عليها) هو النفور من النقص، وكل ما ينفر الإنسان منه فهو ينفر منه لأنه وجد فيه نقصاً وعيباً، إذاً فالفطرة تنفر من النقص والعيب، كما أنها تنجذب إلى الكمال، فالذي تتوجه إليه الفطرة لابد وان يكون واحداً أحدا، لأن كل كثير ومركب وناقص، ولا تكون الكثرة دون محدودية، وكل ناقص مرغوب عنه من جانب الفطرة وليس بمرغوب فيه، إذاً أمكن من هاتين الفطرتين “فطرة حب الكمال” “وفطرة النفور من النقص” إثبات التوحيد، بل إن استجماع الله لجميع الكمالات، وخلو ذاته المقدسة من كل نقص، قد ثبت أيضاً وفي سورة التوحيد المبارك التي تبين نسبة الحق المتعالي، وبحسب رأي شيخنا الجليل (روحي فداه)14 إن الهوية المطلقة، التي تتوجه إليها الفطرة، والتي أشير إليها في صدر سورة التوحيد المباركة بكلمة “هو” تعدّ برهاناً على الصفات الست المطلقة يجب أن تكون كاملة مطلقة، وإلا لكانت محدودة فهو مستجمع لجميع الكمالات، وهو (الله)، وفي الوقت الذي يكون مستجمعاً لجميع

14- هو آية الله الملك آبادي استاذ الإمام الخميني، في العرفان.

الكمالات يكون بسيطاً، وإلاّ فالهوية لا تكون مطلقة، إذاً فهو “احد” ولازم الاحدية هو الواحدية ولما كانت الهوية المطلقة مستجمعة لجميع الكمالات فهي منزهة عن جميع النقائص والتي تعود بأجمعها إلى الماهية، إذاً فتلك الذات المقدسة هي “صمد” وليست جوفاء، ولما كانت الهوية مطلقة، فلن يتولد منها شيء، ولا ينفصل عنها شيء، ولا ينفصل هو عن شيء وإنما هو مبدأ كل شيء ومرجع جميع الموجودات بدون الانفصال الذي يوجب النقصان، والهوية المطلقة أيضاً ليس كلها كفو، إذ لا يمكن تصور التكرار في صرف الكمال، إذاً فالسورة المباركة من أحكام الفطرة نسبة الحق المتعال.

وجود “المعاد” ويوم القيامة من الأمور الفطرية المجبولة عليها طينة البشر.

إعلم أن من الفطريات الإلهية التي فُطرت عليها العائلة البشرية كافة هي فطرة عشق الراحة، فلو انك راجعت كل ادوار التمدن والتوحش، والتدين والتحلل وسألت الجاهل والعالم، والوضيع والشريف والمدني والبدوي: “لم كل هذا التعلق المتنوع والأهواء الشتى، وما الغاية من تحمل هذه المشقات والصعوبات والمعاناة في الحياة؟ فإنهم جميعاً وبكلمة واحدة وبلسان الفطرة الصريح يجيبون قائلين بأن كل ما يتوخونه إنما هو لراحتهم والغاية النهائية والمرام الأخير وأقصى ما يتمنونه هو الراحة المطلقة الخالية من كل تعب ونصب، فلما كانت هذه الراحة التي لا تمازجها مشقة والتي لا يشوبها ألم ونقمة هي معشوقة الجميع، وكانت هذه المعشوقة المفقودة التي يظنها كل إنسان في شيء لذلك فهو يحب كل شيء يتصور محبوبه فيه، مع أن مثل هذه الراحة المطلقة

لا وجود لها في كل ارجاء العالم وزواياه، إذ ليس من الممكن أن تعثر على راحة غير مشوبة بالألم، إن جميع نعم هذا العالم يصاحبها العناء والعذاب المضني، وما من لذّة إلاّ وهي محفوفة بآلام كبيرة، إن العذاب والتعب والالم والحزن والهم والغم تملأ أرجاء العالم.

وعلى امتداد حياة الإنسان لن تجد فرداً واحداً يتساوى عذابه وراحته ونعمته توازي تعبه ونقمته، ناهيك عن الراحة الخالصة والمطلقة وبناء على ذلك فإن معشوق الإنسان لا يوجد في هذا العالم إن العشق الفطري والفعلي الذي جبل عليه جميع أبناء البشر لا يكون من دون معشوق موجود فعلاً.

إذاً، لابدّ من أن يكون هناك في دار التحقق وعالم الوجود عالم لا تشوب راحته شائبة من ألم وعذاب وتعب، راحة مطلقة لا يخالطها شيء من العناء والشقاء، سرور دائم خالص لا يعتريه حزن ولا هم ذلك العالم هو “دار النعيم”، عالم كرم ذات الله المقدسة.

وهو عالم يمكن إثباته بفطرة الحرية ونفوذ الإرادة الموجودة في فطرة كل إنسان ولما كانت مواد هذا العالم وما به من العسر والضيق مما يستعصي على حرية الإنسان وإرادته، فلابدّ إذاً من أن يكون في عالم الوجود عالم آخر تكون للإرادة فيه كلمة نافذة، ولا تستعصي مواده على نفوذ إرادة الإنسان، ويكون الإنسان في ذلك العلم فعّالاً لما يشاء والحاكم بما يريد، كما تقتضيه الفطرة.

اذاً، يعتبر العشق للراحة والعشق للحرية جناحان مودعان لدى الإنسان بموجب فطرة الله التي لا تتبدل فيحلّق بهما في عالم الملكوت الأعلى والقرب الإلهي.

وفي المقام مواضيع أخرى لا تسعها هذه الأوراق وهناك فطرات أخرى لإثبات المعارف الحقّة، مثل إثبات النبوة، وبعثة الرسل وإنزال الكتب السماوية، بل بكل واحدة من هذه الفطر المذكورة يمكن إثبات جميع المعارف، ولكننا نكتفي بهذا القدر لئلا نخرج عن الموضوع ولكيلا نشرح ما لا يتناسب مع الحديث الشريف.

إلى هنا عرفنا أن العلم بالمبدأ وكمالاته ووحدته والعلم بيوم المعاد وعالم الآخرة من الأمور الفطرية، والحمد لله.

الإنسان بين حالتين لا متناهيتين

الإنسان كائن عجيب بين جميع الكائنات ومخلوقات الباري تعالى لا يوجد أي كائن مثل الإنسان، فهو أعجوبة لأمكانه أن يصبح كائناً إلهياً ملكوتياً، أو كائناً شيطانياً جهنمياً، وإن بقية الكائنات ليست كذلك، فهي ليست كذلك بأن يكون الفاصل بهذا المقدار بين الفرد الكامل والفرد الجهنمي الناقص، فهذا من مختصات الإنسان اوجده الله تعالى مع جميع أوصافه وصفاته المقدسة وكل شيء فيه فيكون من هذا الإنسان النبي الأكرم وسائر الأنبياء ويكون منه أبو جهل15 وأمثال أبو جهل والمتوسطون أيضاً ما بين هذين إلى ما لا يُعلم وان الأعمال التي تصدر منه فإن حسنها وقبحها وصلاحها وفسادها مرتبط بتلك الجهات المعنوية للإنسان.

15- هو لقب”عمرو بن هشام بن المغير” الملقب أيضاً ب أبو الحكم المسلون الأوائل به “أبو جهل” لأنه خالف الإسلام دوماً.

ارتباط الروح والجسم

هناك وحدة بين الروح والجسم، فالجسم ظل الروح، والروح باطن الجسم، والجسم ظاهر الروح، وهما شيء واحد لا ينفصلان، فكما أن روح الإنسان وجسمه لهما وحدة، فيجب أن يكون لطبيب الجسم وطبيب الروح وحدة، فيجب أن يكونا واحداً.

الإنسان عالم صغير

عندما تلاحظون الإنسان فإن نشوءه الأولي لا يختلف عن سائر النباتات، إذ أن النبات أو نواة التمر أو نواة شيء آخر يُلقى في التربة، فتقوم التربة بالتربية، فينمو في مكان خاص يحتاجه للنمو، والحيوان أيضاً تقع نطفته في الرحم وهي بذرة وهذه البذرة مكانها هناك، أي أن مكان تربيتها هناك، ولو امكن في يوم إيجاد مكان له نفس هذه الخاصية لتنمو النطفة فيه كما في الرحم، لأمكن القيام بالتربية، وقد يشمل ذلك الإنسان في يوم ما.

إنه في البداية كسائر النباتات، ولا يختلف عنها، فهي تنمو وهو ينمو أيضاً، لكنه في مكان خاص وضمن ظروف خاصة وإن النباتات تنمو في محل خاص آخر وضمن ظروف أخرى بيد انهما يشتركان في هذا المعنى وهو أنهما يُزرعان ويبدأ هذا الزرع بالنمو بواسطة القوى التي أودعها الله تبارك وتعالى في الأرض، والقوى المودعة في الرحم، فهما يشتركان مع بعضهما، ثم يستقر تدريجياً هذا الذي زرع في الأرض، ويبقى نباتاً حتى النهاية إلى أن يصل إلى الثمرة، وإن ثمرته هي ثمرة للنبات.

أما التي لم تزرع في الأرض وهي الحيوانات جميعاً ومنها الإنسان فإنها

تعلو تدريجياً فوق مرتبة النبات وتظهر عندها روح حيوانية في نفس المرتبة التي هي فيها فتمتاز عن سائر النباتات لكنها حيوانات بأجمعها، أي تشترك بالروح الحيوانية، وعندما تولد في هذا العالم وتنفصل عن مكانها يعتبر هذا امتيازاً عن النباتات لأن النبات سوف ينتهي لو فصلناه عن مكانه إلاّ أنها تنفصل عندما يقتضي الأمر وتكتمل تلك الصفة النباتية وتظهر الصفة الحيوانية، وتنتهي الحاجة للرحم، وتلج هذا العالم.

تشترك الحيوانات جميعاً في الاكل والنوم والشهوات وأمثال ذلك فلا امتياز بينها إلاّ من خلال الصفات الحيوانية، وإن هذه الحيوانات الموجودة تختلف في الإدراك أيضاً، فالقرد مثلاً يدرك ويفهم أكثر من حيوان آخر، ويصبح الإنسان ممتازاً بهذه الحيوانات لأنه قادر على التطور، فهو يختلف عنها في الإدراك، وفي غاية الإدراك، إذ أن ادراك الحيوان محدود ضمن حدود معينة وينتهي، ولكن ينبغي القول بأن إدراك الإنسان وقابليته للتربية غير متناهية تقريباً فالإنسان إذاً عنده العالم بأجمعه وزيادة، كل ما هو موجود في العالم من الكائنات فإنه يمتاز عنها، فهو يشترك مع الحيوانات والنباتات وما يعادلها لكنه يفوقها بامتلاكه لقوة عاقلة وقوة أسمى غير موجودة عند بقية الكائنات.

الإنسان كائن طبيعي وما وراء الطبيعة

لو كان الإنسان لا يخرج عن حدود الطبيعة لما كانت هناك حاجة لأن يأتيه شيء من عالم الغيب لتربيته، فلا حاجة لتربية الجانب الآخر من الإنسان لعدم وجوده، ولكن بما أن الإنسان مجرداً عن عالم الطبيعة حقيقة، وهذه الخصوصيات الموجودة في الإنسان بذاتها تدل

على وجود ما وراء لهذه الطبيعة، ولأن الإنسان له ما وراء الطبيعة وحسب البراهين الثابتة في الفلسفة فإنه يوجد ما وراء هذه الطبيعة في الإنسان والإنسان له عقل مجرد بالإمكان وسيصبح مجرداً تاماً فيما بعد، فإنه يجب أن يقوم بتربية الجانب الآخر للإنسان وهو الجانب المعنوي، من له علم بذلك الجانب، علماً حقيقياً به، وعلماً بالعلاقات القائمة بين الإنسان والطبيعة والجانب الآخر، وإن الذي يتمكن من إدراك هذه العلاقة ليس بشراً، لأن الإنسان لا يتمكن من ذلك، انه قادر على هذا المقدار من إدراك الطبيعة، ومهما نظر إلى عالم ما وراء الطبيعة من خلال عدسة مكبرة فلن يشاهد شيئاً، انه بحاجة إلى استخدام معانٍ أخرى، وبما أن هذه العلاقات خافية على البشر ويعلمها الله تبارك وتعالى الذي خلق كل شيء، لهذا ينزل الوحي الإلهي على أشخاص كاملين قد سلكوا طريق الكمال والمعنوي وفهموا، فتحدث العلاقة بين الإنسان وعالم الوحي، ويوحي إليه، ويُبعث لتربية الإنسان في بعده الآخر، فيأتي هؤلاء إلى الناس ليقوموا بتربيتهم.

الإنسان أمام مفترق طريقين

“وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ”16 “العصر” هو الإنسان الكامل وهو صاحب الزمان سلام الله عليه أي عصارة جميع الكائنات، والقسم بعصارة جميع الكائنات أي القسم بالإنسان الكامل (إن الإنسان لفي خسر) وهذا الإنسان المذكور هنا هو نفس الإنسان الذي

16- سورة العصر، الآية 12

له رأس وأذنين، ونحن نسميه إنساناً، والخطاب موجّه لنا، فنحن أمام مفترق طريقين: أحدهما طريق الإنسانية، والذي هو الصراط المستقيم، ويتصل الصراط المستقيم في طرف منه بالطبيعة، وفي الطرف الآخر بالألوهية، فالطريق المستقيم يبدأ من العلق، وبعضه طبيعي والمهم منه هو عندما يكون إرادياً، فالطبيعة احد طرفيه ومقام الألوهية طرفه الآخر، ويبدأ الإنسان من الطبيعة حتى يصل إلى ذلك المكان الذي لا تصل إليه أفكاري وأفكارك، “سأصير ذلك الشيء الذي لا يخطر بوهمك”17 فأنتم مخيرون في هذا المفترق أما أن تنتخبوا صراط الإنسانية المستقيم، أو الانحراف إلى اليسار، أو إلى اليمين.

قابلية الإنسان ذات البعدين

عندما يولد الإنسان ابتداءاً، فإن فيه كل شيء على شكل استعداد أي غير متحقق، لكنه قابل للتحقق، فهذا الطفل الذي يخرج إلى هذه الدنيا يكون مستعداً ليحصل على ملكات صالحة، ومستعداً للحصول على ملكات رذيلة، إذ لو سعى باتجاه الملكات الرذيلة فإنها ستتحقق تدريجياً ويصبح باطن الإنسان كائناً منحطاً.

يمارس الإنسان أحياناً بعض الأعمال التي تناسب شأن الحيوان فيكون متوحشاً حتى ولو كان في القول، فنراه يعتدي على الناس ويوجه لهم كلمات الفحش، وهذه وحشية، أو تكون لديه وحشيات من نوع آخر، هذه ملكة تظهر عند الإنسان وهي ملكة التوحش.

17- إشارة إلى بيت شعر لمولوي

الإنسان في مسير الانحطاط

إن الإنسان كما أن له في هذه الدنيا صورة ملكية دنيوية، خلقها الله تبارك وتعالى في كمال الحسن والجمال والتركيب البديع، والمتحيرة إزاءها عقول جميع الفلاسفة والعظماء، والذي لم يستطع علم معرفة الاعضاء والتشريح حتى الآن أن يتعرف على حاله بصورة صحيحة، وقد ميّزه الله تعالى عن جميع المخلوقات بحسن التقويم وجودة وجمال المظهر، كذلك فإن له ـ أي الإنسان ـ صورة وهيئة وشكلاً ملكوتياً غيبياً، وهذه الصورة تابعة لملكات النفس والخلق الباطن.

وفي عالم ما بعد الموت، سواء في البرزخ أو القيامة، إذا كان خلق الإنسان في الباطن والملكة والسريرة إنسانية، تكون الصورة الملكوتية له صورة إنسانية أيضاً، وأما إذا لم تكن ملكاته ملكات إنسانية، فصورته في عالم ما بعد الموت، تكون غير إنسانية أيضاً وهي تابعة لتلك السريرة والملكة، فمثلاً إذا غلبت على باطنه ملكة الشهوة والبهيمية، وأصبح حكم مملكة الباطن حكم البهيمة، كانت صورة الإنسان الملكوتية على صورة إحدى البهائم التي تتلاءم وذلك الخلق، وإذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب والسبعية، وكان حكم مملكة الباطن والسريرة حكم سبع كانت صورته الغيبية الملكوتية صورة احد السباع والبهائم، وإذا أصبح الوهم والشيطنة هما الملكة، وأصبحت للباطن والسريرة ملكات شيطانية كالخداع والتزوير والنميمة والغيبة، تكون صورته الملكوتية صورة احد الشياطين بما يتناسب وتلك.

ومن الممكن أحياناً أن تتركب الصورة الملكوتية من ملكتين أو عدة ملكات، وفي هذه الحالة لا تكون على صورة أي من الحيوانات، بل تتشكل له صورة غريبة بحيث أن هذه الصورة بهيئتها المرعبة المدهشة والسيئة المخيفة لن يكون لها مثيل في هذا العالم.

نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن بعض الناس يحشرون يوم القيامة على صور تحسن عندها صورة القردة، بل وقد تكون لشخص واحد عدة صور في ذلك العالم، لأن ذلك العالم ليس كهذا العالم، حيث لا يمكن لأي شخص أن يتقبل أكثر من صورة واحدة له، وهذا الأمر يطابق البرهان وثابت في محله.

واعلم أن المعيار لهذه الصور المختلفة، والتي تعد صورة الإنسان واحدة منها، والباقي صورة أشياء أخرى، هو وقت خروج الروح من هذا الجسد. وظهور مملكة البرزخ واستيلاء سلطان الآخرة والذي أوله في البرزخ عند خروج الروح من الجسد، فبأية ملكة يخرج بها من الدنيا، تتشكل على ضوئها صورته الأخروية، وتراها العين الملكوتية البرزخية، وهو نفسه أيضاً، عندما يفتح عينيه البرزخية يرى نفسه بالصورة التي هو عليها إذا كان لديه بصر، وليس من المحتم أن تكون صورة الإنسان في ذلك العالم على نفس تلك الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا، يقول سبحانه وتعالى نقلاً عن لسان البعض حين الحشر “قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا”18 فيأتيه الجواب من الله “قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى”19.

فيا أيها المسكين، قد كانت لديك عين ملكية ذات بصر ظاهري ولكنك في باطنك وملكوتك كنت أعمى، وقد أدركت إلاّ هذا الأمر،

18- سورة النساء، الآية 100.

19- سورة العلق، الآية 15.

وإلاّ فإنك كنت أعمى منذ البداية ولم تكن لديك عين البصيرة الباطنية التي ترى بها آيات الله.

أيها المسكين أنت ذو قامة متناسقة وصورة جميلة في التركيب الملكي، ومعيار الملكوت والباطن غير هذا، عليك أن تحرز الاستقامة الباطنية كي تكون مستقيم القامة يوم القيامة، يجب أن تكون روحك روحاً إنسانية كي تكون صورتك في عالم البرزخ والقيامة صورة إنسانية.. أنت تظن أن عالم الغيب والباطن، وهو عالم كشف السرائر وظهور الملكات، مثل عالم الظاهر والدنيا، حيث يمكن أن يقع الخلط الاشتباه.. إن عينيك وأذنيك ويديك ورجليك وسائر أعضاء جسدك، جميعها تستشهد عليك بما فعلت بألسنة الملكوتية، بل بقول بعض بصور ملكوتية.

أيها العزيز، افتح سمع قلبك، وشدّ حزام الهمة على وسطك، وارحم حال مسكنتك، لعلك تستطيع أن تجعل من نفسك إنساناً، وإن تخرج من هذا العالم بصورة آدمية، لتكون عندها من أهل الفلاح والسعادة، وحذاري من أن تتصور أن كل ما تقدم هو موعظة وخطابة، فهذا كله هو نتاج أدلة فلسفية للحكماء العظام، وكشف انكشف لأصحاب الرياضيات وإخبار عن الصادقين والمعصومين.

وليس المقصود من هذه الأوراق أن تكون محلاً لإقامة الدليل ونقل الأخبار والإثارة بكثرة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

“إلهي! ارحم إمامنا وقائدنا الراحل ذلك العبد الصالح الممتحن وخلف الصدق للأولياء ذلك الإنسان التقي الزاهد الواعي. الذي كان سعيه لأجل رضاك. ولأجلك كان يصنف أعداءه وأصدقاءه. وفي سبيلك. ولأجلك لم يجزع من أي مصاعب. وأنزل عليه رحمتك وأشمله بفضلك. وأجعل اللَّهم جزءاً وفيراً من حج الحجاج. وعبادة العباد. وسعي الساعين الذين شُملوا بهدايته وقيادته. عائداً لروحه الطاهرة، وحقق اللهم في مقام العمل آماله الكبيرة التي هي نهوض “الحج الإبراهيمي. واستفادة الأمة الإسلامية من هذه المراسم الإلهية العظيمة”.

الإمام القائد السيد علي الخامنئي (دام ظله)

{إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين}.

اعتاد أكثر الناس أن يحصروا اهتمامهم عند زيارتهم بيت الله الحرام بالمظاهر الخارجية للحج غافلين عن الأبعاد الإلهية المتوخاة من هذا المؤتمر الكبير الذي جمع الله فيه المسلمين من شتى أرجاء العالم بألوانهم المختلفة وعروقهم المتنوعة وطبقاتهم المتعدّدة وجاء إمام الأمة الراحل الخميني العظيم (قدس سره) ليُلفت الناس إلى الأبعاد الكبيرة التي أرادها الله فيه الحج الإبراهيمي المحمدي فقال في إحدى كلماته: “إن على المسلمين الذين يحملون رسالة الله تعالى أن يستفيدوا من المحتوى السياسي والاجتماعي للحج إضافة إلى محتواه العبادي ولا يكتفوا بالمظهر الخارجي”.

وأكثر الإمام (قدس سره) من الكلام عن أبعاد الحج هذه ليتنبَّه المسلمون إليها لتكون الاستفادة العظمى من هذا المؤتمر العظيم.

ولتحقيق هذا الهدف السامي جمعنا بعض كلمات الإمام التي تبين الأبعاد الإلهية للحج عسى أن تكون محلاً للإفادة والاستفادة، راجين من الله للإمام المقام العلي. ولمن استفاد من تعاليمه فعمل على رفعة شأن الإسلام والمسلمين الثواب الجزيل.

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

الفصل الأول: البعد المعنوي للحج

“إن البعد السياسي والاجتماعي للحج لا يتحقق إلا بعد أن يتحقق البعد المعنوي”.

الإمام الخميني (قدس سره)

مكة: مدينة جهاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

ومن النقاط المهمّة التي ينبغي على الحجّاج الكرام الإلتفات إليها، أن مكّة المكرمة والمشاهد المشرّفة مرآة أساس الأحداث الكبيرة لنهضة الأنبياء والإسلام ورسالة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي مكان نزل فيه الأنبياء وجبريل الأمين، هذا المكان الذي يذكّرنا بالمصائب والصعوبات التي تحمَّلها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في سبيل الإسلام والبشرية لعدد من السنين، وأن التواجد في هذه المشاهد المشرفة والأماكن المقدسة. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الشروط الصعبة لبعثة النبي، عرفنا أكثر مسؤولية الحفاظ على إنجازات هذه النهضة وهذه الرسالة الإلهية، وكم عانى النبي الأكرم وأئمة الهدى (عليهم السلام) من الغربة لأجل دين الحق وإزهاق الباطل. لقد استقاموا ووقفوا ولم يهابوا أو يجزعوا من التهم والإهانات وجراحات ألسنة أمثال أبي لهب وأبي جهل وأبي سفيان.وفي نفس الوقت استمروا وأكملوا طريقهم رغم الحصار الاقتصادي في شِعب أبي طالب, ولم يستسلموا ولم يهنوا، ومن بعدها تحمّلوا الهجرات والمرارات في سبيل دعوة الحق، وتبليغ رسالة الله، وتواجدوا في الحروب المتتالية والغير متكافئة وهم رغم الآلاف من المؤامرات ورغم كثرة المنافقين، قاموا بهداية وإرشاد الناس بهمّة عالية وصلبة حيث تشهد صخور وحصى مكّة والمدينة وصحاريها وجبالها وأزقتها وأسواقها على آثار تبليغ رسالتهم. وإذا ما رفعنا الستار وكشفنا النقاب عنهم في الكلام وعن سر ورمز تحقق، “فاستقم كما أمرت”. لعرف وعلم زوّار بيت الله الحرام كم سعى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل هدايتنا وحصول المسلمين على الجنة، وكم أن مسؤولية أتباعه ثقيلة، ويقيناً إن حجم الظلم والعذاب والصعوبات التي مرت على أئمتنا كانت أكبر وأكثر بمراتب من مسائلنا نحن.

الكعبة مركز التولّي والتبرّي:

إن الكعبة المعظّمة هي المركز الأوحد لتحطيم الأصنام، لقد رفع نداء التوحيد من الكعبة إبراهيم الخليل في أول الزمان وسيرفعه حبيب الله ولده المهدي العزيز الموعود روحي فداه في آخر الزمان، وسيبقى مرتفعاً. قال الله تعالى لخليله إبراهيم: {وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}.

وقال عزّ من قائل: {وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والرّكّع السجود}. وهذا تطهير من كل الأرجاس وعلى رأسها الشرك كما في صدر الآية الكريمة، وفي سورة التوبة نقرا: {وآذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله}.

المسجد الحرام بيت الجميع:

بيت الله الحرام أوّل بيت بني للناس، هو بيت للجميع، الجميع سواسية هناك. فأهل البادية، وسكّان الصحارى، والذين يحملون بيوتهم على أكتافهم، متساوون مع العاكفين في الكعبة وسكّان المدن، ورعايا الدول.

هذا البيت شيّد للناس ولأجل نهضة الناس، نهضة الجميع ولأجل منافع الناس.

المسجد الحرام ليس للعبادة فقط:

إن المسجد الحرام والمساجد الأخرى في زمان رسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت مراكز عسكرية وسياسية واجتماعية ولم يكن مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل الأمور العبادية فقط كالصلاة والصيام، بل كانت المسائل السياسية هي الأغلب، فكانت الأمور التي تتعلق بإرسال الرجال إلى الحرب وتعبئة الناس إنما تبدأ من المسجد في أي وقت يحتاجون فيه لذلك.

أهمية البعد المعنوي للحج:

إن المراتب المعنوية للحج هي رأسمال الحياة الخالدة وهي التي تقرب الإنسان من أفق التوحيد والتنزيه، وسوف لن نحصل على شيء ما لم نطبق أحكام وقوانين الحج العبادية بشكل صحيح وحسن، وحرفاً بحرف، وعلى الحجّاج المحترمين والعلماء المعظمين مسؤولي قوافل الحجّاج أن يصرفوا وقتهم ويكون كل همّهم تعليم وتعلم مناسك الحج، وعلى العارفين مراقبة من يرافقهم حتى لا يتخلف أحد عن الأوامر لا سمح الله، إن البعد السياسي والاجتماعي للحج لا يتحقق إلا بعد أن يتحقق البعد المعنوي والإلهي وأن تكون كلمة “لبيك” التي تتلفظون بها استجابة لدعوة الحق تعالى. وأنتم محرومون لأجل الوصول إلى ساحة الحق المقدسة تشعرون بأنفسكم أن التلبية لأجل الحق تعالى، تنفون صفة الشرك بجميع مراتبها، وتهاجرون بأنفسكم التي هي منشأ الشرك الكبير نحو الباري جلّ وعلا، والأمل في أن ينال الباحثون عن ذلك أجرهم وهو على الله فيما لو أدركهم الموت وهم في طريق هجرتم.

سرُّ التلبية:

إن هذه المناسك العجيبة كلّها إشارات عرفانية وروحية لا يتّسع المجال لتفصيلها في هذا المقال. بدءاً من الإحرام والتلبية وحتى آخر المناسك. لذا سأكتفي بذكر بعض إشارات التلبية. إن لبَّيك التي تتكرر عدة مرات من إنسان، حقيقته أنّه يستجيب لدعوة الله بالاسم الجامع، ويستمع بروحه لنداء الحق، فالمسألة هي مسألة الحضور بين يدي الله ومشاهدة جمال المحبوب. ويحكى أن المتحدث في هذه الساحة المقدسة يتجاوز ذاته لينفي وهو يكرر استجابته الدعوة ويعقب بعد ذلك بنفي الشريك لله. بالمعنى المطلق الذي يعلمه أهل الله ليس الشريك في الألوهية فقط، وإن كان نفي الشريك في هذا المقام أيضاً شاملاً لجميع المراتب حتى فناء العالم في نظر أهل المعرفة ومشتمل على جميع الفقرات الاحتياطية والإستجابية مثل “الحمد لك والنعمة لك”.

والحمد هنا من اختصاص الذات المقدسة، وكذلك النعمة ونفي الشريك، وهذا غاية التوحيد عند أهل المعرفة، وهذا يعني أن كل حمد وكل نعمة تتحقق في عالم الوجود، هي حمد الله ونعمة الله بدون شريك، ويسري هذا المقصد وهذه الغاية على كل موقف ومشعر ووقوف وحركة وسكون وفي أي عمل، وخلاف ذلك إنما يكون الشرك بالمعنى الأعم، المبتلون به نحن جميعاً عمي القلوب.

وإذا ما دفّنا في عالم النسيان الجهات المعنوية، لا تظنوا أنكم قادرون على التخلّص والتحرّر من مخالب شيطان النفس. وما دمتم في أسر وقيد ذواتكم وأهوائكم النفسانية، لن تستطيعوا جهاداً في سبيل الله ودفاعاً عن حرمات الله.

وأنتم أيها الأعزّاء، إرجعوا إلى ذواتكم، وفكّروا بأبطال الجمهورية الإسلامية الذين حقّقوا الانتصارات الإلهية لأجل الإسلام والجمهورية الإسلامية. والآن يوجد بينكم بعض من الشهداء الأحياء يؤدّون مناسك الحج معكم، فخذوا العبرة من هذا التحوّل العظيم الذي حصل في داخلهم، وكان سبباً لكل التضحيات والفداء. وليعلم المسلمون أنه ما لم تحصل في داخلهم درجة من هذه التحوّلات، فإن شيطان النفس الإمّارة بالسوء، وشياطين الخارج، لن يدعوهم يفكروا بالأمة الإسلامية ومظلومي العالم.

تحرّروا من غير الله:

في المواقيت الإلهية والمقامات المقدسة، في جوار بيت الله المليء بالبركات، راعوا آداب الحضور في الساحة المقدّسة للعلي العظيم، وحرّروا قلوبكم أيُّها الحجّاج الأعزّاء من جميع الارتباطات المتعلقة بغير الله، وأخرجوا من قلوبكم غير حب الله، ونوّروها بأنوار التحليات الإلهية، حتى تكون الأعمال والمناسك في سيرها إلى الله مليئة بمضمون الحج الإبراهيمي وبعده بالحج المحمدي، وبمقدار تخفيف الحمل من أفعال الطبيعة يسلم الجميع من أوزار المنى والمنية، وبحمل ثقل معرفة الحق وعشق المحبوب تعودون إلى أوطانكم وتجلبون للأصدقاء هدايا النعم الإلهية الأزلية بدل الهدايا المادية الفانية، وبقبضات مليئة بالقيم الإنسانية الإسلامية التي بعث لأجلها الأنبياء العظام من إبراهيم خليل الله إلى محمد حبيب الله صلى الله عليه وآلهم أجمعين، تلتحقون بالرفاق عشّاق الشهادة. هذه القيم والدوافع التي تحرِّر الإنسان من أسر النفس الأمَّارة بالسوء، وتنجّي من الارتباط الشرق والغرب، وتوصل إلى شجرة الزيتون المباركة اللا شرقية واللا غربية.

الحج سؤال الله:

إنتبهوا إلى أن السفر إلى الحج ليس سفراً للتجارة، وليس سفراً لتحصيل أمور الدنيا، إنما هو سفر إلى الله. أنتم ذاهبون إلى بيت الله الحرام، فأتمّوا كل الأمور والأعمال المطلوبة منكم بطريقة إلهية. إن سفركم الذي يبدأ من حين التهيّؤ هو وفادة إلى الله، سفر إلى الله تعالى وكما أن المسافرين إلى الله أمثال الأنبياء (عليهم السلام) والعظماء من ديننا، مسافرون إلى الله في جميع أحوالهم وأوقات حياتهم، ولم يتخلّفوا خطوة واحدة عن أي شيء في برنامج الوصول إلى الله، أنتم أيضاً تذهبون الآن وفوراً إلى الله، في الميقات الذي تذهبون إليه تلبون فيه نداء الله، وتقولون لبّيك اللهم لبّيك، يعني أنت تدعونا ونحن نجيب الدعوة، معاذ الله أن تقوموا بعمل لا يرضاه الله تبارك وتعالى أنا لا أقبل ولا أريدكم إذا كنتم غير إسلاميين. معاذ الله أن تجعلوا هذا السفر سفراً للتجارة أو تبحثوا الأمور والمسائل التجارية فيما بينكم، أيها السادة أهل العلم، أيتها القوافل، يا رؤساء القوافل، يا سائر الحجاج، هذا السفر سفر إلى الله وليس سفراً إلى الدنيا، فلا تلوّثوه بها.

أخلصوا في الحج:

إن أهم الأمور في جميع العبادات هو الإخلاص في العمل وإذا قام شخص لا سمح الله بعمل ما لأجل التظاهر به أمام الآخرين، وعرض عمله الجيّد أمامهم، فإنه يصبح باطلاً. ولينتبه الحجّاج المحترمون وليواظبوا على عدم إشراك غير الله في أعمالهم، إن الجهات المعنوية للحج كثيرة، والمهم أن يعرف الحاج إلى أين يذهب ودعوة من يلبّي؟ وأنه ضيف من؟ وما هي آداب هذه الضيافة؟

وليعلم أن الغرور والنظرة الذاتية لا يجتمعان مع حب الله وطلبه، ويتناقضان مع الهجرة إلى الله، وبالتالي تكونان سبباً لنقص معنويات الحج. وإذا ما تحققت هذه الجهة المعنوية والعرفانية للإنسان، وإذا ما تحققت لبّيك صادقة ومقرونة بنداء الحق تعالى، حينها ينتصر الإنسان في جميع الميادين السياسية والاجتماعية الثقافية وحتى العسكرية، ومثل هذا الإنسان لن يعرف الهزيمة، إلهي اجعل جزءاً من هذا السير والسلوك المعنوي والهجرة الإلهية من نصيبنا جميعاً.

ليلتفت أولئك الذين يذهبون إلى الحج أن لا يخلطوا للحظة حجهم بالمعاصي. ينبغي أن يكون كل شيء إسلامياً وكل شيء عبادة، لتكن المظاهرات عبادة خالية من معصية، ولتكن الشعارات عبادية، خالية من المعصية، لتكن على النحو الذي أراده الله، وأما أن يفعل كل واحد ما يريد ، وأن يقول لمن يريد كلاماً سيّئاً. كلا، ليس الأمر كذلك، يجب أن تكون هذه المسائل طبق برنامج صحيح قد خطّط له من قبل ويجب أيضاً الانتباه لهذه المسائل.

سرُّ المناسك:

إن الطواف حول الكعبة المشرّفة يعني أن الإنسان لن يطوف لغير الله. ورجم العقبات هو رجم شياطين الإنس والجن، وأنتم عندما ترجمون عاهدوا الله أن تقتلعوا شياطين الإنس والقوى العظمى من البلاد الإسلامية. اليوم كل العالم الإسلامي أسير بيد أمريكا، أحملوا من الله رسالة إلى مسلمي القارات المختلفة للعالم الإسلامي، رسالة أن لا تخضعوا لغير الله ولا تكونوا عبيداً لأحد.

عندما تلفظون لبّيك لبّيك، قولوا لا لجميع الأصنام، واصرخوا لا لكل الطواغيت الكبار والصغار، وأثناء الطواف في حرم الله حيث يتجلى العشق الإلهي، خلّوا قلوبكم من الآخرين، وطهّروا أرواحكم من أي خوف لغير الله. وفي موازاة العشق الإلهي، تبرأوا من الأصنام الكبيرة والصغيرة والطواغيت وعملائهم وازلامهم، حيث إن الله تعالى ومحبّيه تبرأوا منهم، وأن جميع أحرار العالم بريئون منهم. وحين تلمسون الحجر الأسود أعقدوا البيعة مع الله أن تكونوا أعداء لأعداء الله ورسوله والصالحين والأحرار، ومطيعين وعبيداً له، أينما كنتم وكيفما كنتم. لا تحنوا رؤوسكم، واطردوا الخوف من قلوبكم، واعلموا أن أعداء الله وعلى رأسهم الشيطان الأكبر جبناء وإن كانوا متفوقين في قتل البشر وفي جرائمهم وجناياتهم. أثناء سعيكم بين الصفا والمروة اسعوا سعي من يريد الوصول إلى المحبوب، حتى إذا ما وجدتموه هانت كل الأمور الدنيوية، وتنتهي كل الشكوك والترددات، وتزول كل المخاوف والحبائل الشيطانية، وتزول كل الارتباطات القلبية المادية، وتزدهر الحرية، وتنكسر القيود الشيطانية والطاغوتية التي أسرت عباد الله. سيروا إلى المشعر الحرام وعرفات وأنتم في حالة إحساس وعرفان، وكونوا في أي موقف مطمئني القلب لوعد الله الحق بإقامة حكم المستضعفين. وبسكون وهدوء فكّروا بآيات الله الحق، وفكروا بتخليص المحرومين والمستضعفين من براثن الاستكبار العالمي، واطلبوا من الحق تعالى في تلك المواقف الكريمة تحقيق سُبل النجاة، بعد ذلك عندما تذهبون إلى منى واطلبوا هناك أن تتحقق الآمال الحقّة حيث التضحية هناك بأثمن وأحب شيء في طريق المحبوب المطلق، وأعلموا أنه ما لم تتجاوزوا هذه الرغبات والتي أعلاها حب النفس وحب الدنيا التابع لها، فسوف لن تصلوا إلى المحبوب المطلق. وفي هذه الحال ارجموا الشيطان، واطردوا الشيطان من أنفسكم وكرروا رجم الشيطان في مواقع مختلفة بناء على الأوامر الإلهية، لدفع شر الشياطين وأبنائهم عنكم.

لا ترجموا أنفسكم:

إن هذا السفر الإلهي الذي تذهبون إليه وترجمون فيه الشيطان، وإذا ما كنتم لا سمح الله من جنود الشيطان سترجمون أنفسكم أيضاً. يجب أن تكونوا فيه رحمانيين، وأن تصبحوا رحمانيين، حتى يكون رجمكم رجم أتباع الرحمن، ورجم جنود الرحمن للشيطان، أنتم تقفون في تلك المواقف والمواضع الكريمة، معاذ الله أن يتلوّث وقوفكم بشيء خلاف الشرع، أو يتلوث بالمعصية، ففضلاً عن إراقة ماء الوجه أمام الله تسقط كرامة الإسلام في الدنيا، اليوم كرامة الإسلام متقومة بوجودكم، أنتم الذين تذهبون جماعات جماعات إلى تلك المواقف الكريمة ويشاهدكم سائر المسلمين.

لا حج كامل بدون حج صحيح:

إن المراتب المعنوية للحج هي رأسمال الحياة الخالدة وتقرب الإنسان من أفق التوحيد والتنزيه، وسوف لن نحصل على النتيجة ما لم ننفذ أحكام وقوانين الحج العبادية بشكل صحيح ولائق وشعرة بشعرة، على الحجّاج المحترمين والعلماء المعظّمين مسؤولي قوافل الحجّاج أن يصرفوا وقتهم ويكون كل همّهم هو تعليم وتعلّم مناسك الحج وعلى العارفين مراقبة من يرافقهم حتى لا يتخلف أحد عن الأوامر.

على أيّة حال هذه وظيفة العلماء الموجودين في القوافل يعني هي إحدى وظائفهم، وإن إحدى الوظائف المهمة أيضاً هي تعريف الناس بمسائل الحج، إننا نرى الكثيرين من الأشخاص الذين يذهبون إلى الحج ويتحملون المصاعب وهم لا يعرفون مسائل الحج ويصبحون مقيّدين بحركتهم هناك، وعندما يعودون وبعد عدة سنوات يسألون أننا قد أنجزنا علمنا على الشكل التالي، فهل حجّنا صحيح أم لا؟ فهل نحن ما زلنا على إحرامنا أيضاً أم لا؟ فيجب على السادة العلماء أن يعقدوا جلسات للتدريس ويدرّسوا الناس آداب الحج، واجبات الحج، محرّمات الحج، فإذا لم يتعلّموا الآداب، فليس في ذلك إشكال، أما المحرمات والواجبات فيجب تعليمها للناس يومياً، ويجب على الناس أيضاً الذهاب عند السادة العلماء لحضور هذه الدروس، فإذا ما انعقدت هذه الدروس فيجب أن يذهبوا إليهم ويستمعوا ويتعلموا مسائل الحج حتى لا يصبحوا مأسورين فيما بعد عند عودتهم ويتساءل أحدهم كيف كان طوافي، هل كان صحيحاً أم لا؟.

فعندما تتعلمون المسائل فالعمل حينئذ يكون صحيحاً وخالياً من الأخطاء. وأيضاً إن إحدى الوظائف الملقاة على الجميع ويجب على العلماء القيام بها هناك، كما يجب على عامّة الناس أن يتتبعوا هذا الأمر هي تعلّم مسائل الحج وعدم الاكتفاء بأننا ذهبنا إلى الحج وأنجزنا عملنا كيفما كان.

كلا الأمر هنا مختلف عن كل الأماكن الأخرى. فالإنسان الذي يذهب للزيارة مثلاً ولم ينجز أعماله المتعلقة بها على النحو الصحيح سوف لن تسبب له أي إشكال أو مشكلة، أما هنا في الحج فإنها تسبب له إشكالات أنه ما زال محرماً! فهذا يعني أنه يجب عليه أن يذهب ثانية إلى الحج وهو يواجه الكثير من هذه الإشكالات لذا ومن أجلكم أنتم عليكم أن تتّبعوا هذه المسائل وتتعلّموها حتى لا تقعوا في الاشتباه والخطأ ولا تكون سبباً، لتعبكم فيما بعد وهذه أيضاً إحدى المسائل.

الإنس بالقرآن في الحج:

إني أذكِّر الحجّاج المحترمين أن لا يغفلوا في جميع المواقف المعظّمة وطيلة فترة سفرهم إلى مكة المكرمّة والمدينة المنوّرة عن الاستئناس بالقرآن الكريم، هذه الصحيفة الإلهية وكتاب الهداية، لأن كل ما عند المسلمين وما سيكون، على طول امتداد التاريخ الماضي وكذلك في المستقبل، إنما هو من بركات هذا الكتاب المقدّس، ولذا أرجو من العلماء الأعلام، وأبناء القرآن والمفكرين العظام، أن يستفيدوا من هذه الفرصة ولا يغفلوا عن هذا الكتاب المقدس وهو “تبيان لكل شيء”، وصادر عن مقام الجمع الإلهي إلى قلب النور الأول وينبض بتجليات جمع الجمع . هذا الكتاب السماوي الإلهي الذي هو الصورة العينية والكتبية لجميع الأسماء والصفات والآيات والبينات، ونحن عاجزون عن إدراك مقاماته الغيبية، ولا يعلم أحد أسراره غير وجود الأقدس الجامع “من خوطب به”.

حيث أدركه خُلّص أوليائه العظام ببركة ذاته المقدسة وتعليمه إيّاهم والذي ينهل منه خُلّص أهل المعرفة، وعلى قدر استعداداتهم ومراتب سلوكهم بفضل مجاهداتهم ورياضاتهم القلبية. والآن وهو في صورته المدونة بعد نزوله بلسان الوحي وصلنا دون نقص أو زيادة حرف، ومعاذ الله أن يصبح مهجوراً إلا أن أبعاده المختلفة والتي ينطوي في كل بعد منها على مراحل ومراتب بعيدة عن متناول البشر العاديين، ولكن أهل المعرفة والتحقيق في مختلف فروعه وبنسبة العلم والمعرفة والاستعداد لديهم من خلال بياناتهم وخطبهم وأحاديثهم المتفاوتة إنما يقربون الفهم من هذه الخزائن اللا متناهية بالعرفان الإلهي والبحر الموّاج للكشف المحمدي ويقدمونه للآخرين، وأن يقوم أهل الفلسفة والبرهان ببحث ودراسة الرموز الخاصة لهذا الكتاب الإلهي وكشف أصل الأدلة الفلسفية الإلهية لإشارات تلك المسائل العميقة ويضعوها في متناول أهلها. وأن يقوم المستقيمون أصحاب الآداب القلبية والمراقبات الباطنية والذين حصلوا على رشفة وجرعة من عوالم “ادبني ربي” ويقدموها هدية لأجل أولئك العطاشى لهذا الكوثر ويؤدبوهم بالحد الميسور بآداب الله.ويقدم المتقّون لعطشى الهداية بأرقة من نور التقوى التي نهلوها من هذا النبع الفوّار (هدى للمتقين) هدية لأجل العشّاق الذين يتحرقون لنور هداية الله. وأخيراً إن أي طائفة من العلماء الأعلام والمفكرين العظام، الذين بروا أقلامهم لكشف بُعد من الأبعاد الإلهية لهذا الكتاب المقدس وحققوا آمال عاشقي القرآن، وصرفوا وقتهم في سبر أغوار

الابعاد السياسية, الاجتماعية ,الاقتصادية, العسكرية، الثقافية، والحرب والصلح في القرآن، حتى أصبح معلوماً أن هذا الكتاب هو منبع كل شيء، بدءاً من العرفان والفلسفة إلى الأدب والسياسة، حتى لا يقول الجهلة والذين لا يعرفون شيئاً إن العرفان والفلسفة ليسا سوى نسج من الخيال ليس أكثر، وإن السير والسلوك والرياضة النفسية إنما هي من عمل الدراويش. أو ما شأن الإسلام بالسياسة والحكومة، وإدارة البلاد، إن هذا من اختصاص وعمل الملوك والسلاطين ورؤساء الجمهوريات وأهل الدنيا. أو إن الإسلام هو دين الصلح والمساومة وإنه بريء من الحروب والجدال مع الظالمين وينسبون هذه الأمور للقرآن…!

يجب أن نعلم أن الحكمة هي أن هذا الكتاب الخالد الأبدي إنما هو لأجل هداية وإرشاد البشرية من أي لون أو قومية وفي أي قطب أو قطر وحتى قيام الساعة. وأن تبقى المسائل الحياتية المهمة حية سواء فيما يخص المعنويات أو فيما يتعلق بنظام الملكية. وإفهام الناس أن مسائل القرآن ليست لعصرٍ وجهةٍ خاصة، ولا يظن أن هدف إبراهيم وموسى ومحمد عليهم وعلى آلهم السلام يختص بزمان خاص.

الفصل الثاني: البعد الاجتماعي للحج

“إن إحدى الفلسفات الاجتماعية لهذا التجمع العظيم توثيق عرى الوحدة بين أتباع نبي الإسلام”

الوحدة في فلسفة الحج:

ينبغي على جميع الإخوة والأخوات المسلمين والمسلمات الانتباه إلى أن إحدى مهمات فلسفة الحج إيجاد التفاهم وتوثيق عرى الأخوة بين المسلمين، وينبغي على المفكرين والمعممين طرح مسائلهم الأساسية، السياسية والاجتماعية مع الآخرين من إخوانهم، وتقديم الاقتراحات من أجل رفعها وحلها ووضعها بتصرّف وتحت نظر العلماء وأصحاب الرأي عند عودتهم إلى بلادهم.

يجب أن نعلم أن إحدى الفلسفات الاجتماعية لهذا التجمّع العظيم من جميع أنحاء العالم توثيق عرى الوحدة بين أتباع نبي الإسلام، أتباع القرآن الكريم في مقابل طواغيت العالم، وإذا لا سمح الله أوجد بعض الحجّاج من خلال أعمالهم خللاً في هذه الوحدة أدّت إلى التفرقة، فذلك سيوجب سخط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعذاب الله القادر الجبار.

الحجّاج المحترمون الموجودون في جوار بيت الله ومحل رحمته، تعاطوا برفق ومروءة وأخوة إسلامية مع جميع عباد الله، واعتبروا الجميع ـ ودون النظر إلى اللون واللسان والمنطقة والمحيط ـ منكم، وكونوا جميعاً يداً قرآنية واحدة حتى تسيطروا على أعداء الإسلام والإنسانية.

الحج مركز التعارف:

إن الحج هو أفضل مكان لتعارف الشعوب الإسلامية حيث يتعرّف المسلمون على إخوانهم وأخواتهم في دين الإسلام من جميع أنحاء العالم, ويجتمعون في ذلك البيت المتعلّق بجميع المجتمعات الإسلامية، وباتباع دين إبراهيم الحنيف وبعد أن يضعوا جانباً المفردات والألوان والعرقية والقومية، يرجعون إلى أرضهم وبيتهم الأول.

ومع مراعاة الأخلاق الكريمة الإسلامية واجتناب الجدال والتجملات يتجلى ويتمظهر صفاء الأخوة الإسلامية وأبعاد تنظيم الأمة المحمدية في جميع أنحاء العالم.

اتحدوا في رجم الشياطين:

وينبغي على الحجّاج لبيت الله الحرام المحترمين لأي دين أو قومية انتموا أن يرضخوا لأحكام القرآن الكريم، ويقفوا في مواجهة سيل الشياطين الذين يريدون اقتلاع الإسلام الذي طهر الشرق والغرب وعملاءهم الذين لا إرادة لهم، ويمدوا يد الأخوة الإسلامية لبعضهم البعض وينتبهوا للآيات الكريمة التي تدعوهم إلى الاعتصام بحبل الله، وتنهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وينبغي الاستفادة أكثر عضوياً وسياسياً من هذه الفريضة العبادية السياسية الإسلامية، في تلك الأمكنة الشريفة التي شيّدت بحق لأجل مصالح الموحدين والمسلمين في العالم، والإلتفات إلى سر التضحية والفداء الإبراهيمي ـ الإسماعيلي، حيث يجب الوقوف في سبيل الله إلى حد التضحية والفداء بأعز وأغلى ثمرة وجوده والدفاع عن الأهداف الإلهية.

يجب طرد الشياطين الكبيرة والصغيرة والوسطى (أولى وسطى وعقبه) عن حرم الإسلام المقدس والكعبة والحرم، ويجب قطع أيادي الشياطين عن الكعبة، وحرم الدول الإسلامية التي هي من حرمة الكعبة، ويجب تلبية دعوة الله المتعال لبّيك اللهم لبّيك.

اتحدوا لتعيدوا المجد:

ويجب عليكم الاتكال على الله العظيم في تلك المواقف العظيمة، وعقد معاهدة الوحدة والالتفات في مقابل جنود الشرك والشيطان، وأن ترتفوا عن الفرقة والتنازع {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}. إن لون ورائحة الإيمان والإسلام اللذين هما أساس الانتصار، والقوة يجب أن يقضيا على التنازع والتفرقة اللذين أساسهما الأهواء النفسانية ومخالفة أحكام الحق تعالى.

ولنصل إلى النصر من خلال الاجتماع على الحق، وتوحيد الكلمة وكلمة التوحيد التي هي أساس ومنبع عظمة الأمة الإسلامية.

يا مسلمي العالم، ماذا جرى لكم في صدر الإسلام، على قلّتكم هزمتم القوى العظمى، وحقّقتم وجود الأمّة الإسلامية الإنسانية الكبرى، وأنتم اليوم تعدّون ما يقارب المليار نسمة وتملكون الثروات الكبيرة التي تعتبر رأس الحرية وتعانون إلى هذا الحد من الضعف والانسحاق في مقابل الأعداء؟ هل تعلمون أن كل المصائب التي تعانون منها هي نتيجة التفرق والاختلاف بين رؤساء بلدانكم وبالتالي فيما بينكم؟.

أنهضوا من أماكنكم واحملوا القرآن الكريم واستلهموا أوامر الله تعالى حتى تعيدوا مجدكم وعظمة الإسلام العزيز. تعالوا واستمعوا إلى موعظة واحدة من الله حيث يقول: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى…}.

وانهضوا جميعاً وقوموا لله. قوموا فرادى على جنود وشياطين أنفسكم الباطنية وقوموا جماعات على القوى الشيطانية، إذا كانت الثورة والنهضة إلهية ولأجل الله فهي منتصرة. أيها المسلمون ويا مستضعفي العالم، مدوا أياديكم لبعضكم البعض وسيروا في سبيل الله، والجأوا إلى الإسلام وثوروا على المستكبرين الظالمين والمعتدين على حقوق الشعوب حجّاج بيت الله الحرام، اتّحدوا في المواقف والمشاعر الإلهية وأطلبوا من الله العلي القدير أن ينصر الإسلام والمسلمين ومستضعفي العالم.

الوحدة هي الحلّ:

أيها الحجّاج المحترمون لقد اجتمع العالم حول بعضه البعض، ويتبادل الآراء في مصالح الإسلام ومشاكل المسلمين، فيجب أن تتخذوا إجراءات ضرورية لحل هذه المشاكل والوصول إلى الأهداف الإسلامية المقدّسة وابحثوا في طرق وسبل الوحدة بين جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية، وابحثوا في المسائل السياسية المشتركة بين جميع الطوائف الإسلامية وابحثوا لإيجاد حل للمشاكل التي أوجدها أعداء الإسلام لمسلمي العالم والتي يعتبر أهمها تفرقة صفوف المسلمين.

اليوم ما هو الحل؟ ولأجل تحطيم هذه الأصنام ما هو تكليف المسلمين والمستضعفين في العالم؟

طريق واحد هو أساس لكل السبل ويقتلع جذور هذه المآسي ويقطع دابر الفساد ويعيد وحدة المسلمين بل وحدة جميع المستضعفين وكل المستضعفين والمكبلين بالسلاسل في العالم. هذه الوحدة التي يؤكدها ويكررها الإسلام الشريف والقرآن الكريم، ويجب تحقيقها في الواقع من خلال الدعوة والتبليغ بها بشكل واسع، ومركز هذه الدعوة مكة المعظمة عندما يجتمع المسلمون لأداء فريضة الحج والتي بدأها إبراهيم خليل الله ومحمد حبيب الله ويكملها في آخر الزمان حضرة بقية الله أرواحنا لمقدمه الفدا، يخاطب الله إبراهيم خليل الله ليدعو الناس إلى الحج، ويأتون من جميع الأقطار ليشهدوا منافع لهم ومنافع للمجتمع، منافع سياسية، ومنافع اقتصادية، ومنافع اجتماعية وثقافية. ليأتوا ويروا نبيهم الذي قدم أغلى وأعزّ ثمرة في حياته في سبيل الله. ويجب على ذرّية آدم كلها أن تتأسى بك فلينظروا كيف حطّمت الأصنام، وكيف أبعدت ورميت جانباً كل ما عدا الله. شمساً كان أم قمراً، هياكل، حيوانات أو بشراً وقلت في كنه الحقيقة: {وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}.

ويجب على الجميع التأسي بأبي التوحيد، وأبي الأنبياء عظماء الشأن ونقرأ في سورة التوبة، الأمر الذي قرأه في مكة على مسمع الناس عامة، فقرأ: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر إن الله بريء من المشركين ورسوله}.

شكِّلوا جبهة للمستضعفين:

ومن جملة الوظائف في هذا الاجتماع العظيم، دعوة الناس والمجتمعات الإسلامية لوحدة الكلمة ورفع الاختلافات بين فئات المسلمين حيث ينبغي على الخطباء والعلماء والمفكرين أن يبادروا إلى هذا الأمر الحياتي ويسعوا في سبيل إيجاد وتشكيل جبهة للمستضعفين حيث إنهم يستطيعون بوحدة الجبهة، ووحدة الكلمة، وشعار لا إله إلا الله أن يتحرّروا من أسر القوى الشيطانية للأجانب والمستعمرين والمستثمرين، ويتغلبوا على المشاكل بوحدتهم وأخوّتهم.

احترزوا من التفرقة:

ليسمع الجميع هذه الحقيقة، إن أعداء الإسلام يسعون بكل قوّتهم لإيجاد التفرقة والاختلاف بين المجتمعات الإسلامية ويسعون بأي وسيلة وتحت أي عنوان لإيجاد النزاعات بين المسلمين، والتي بتحقيقها تتهيّأ الأرضية الصالحة لتسلّطهم الكامل من جديد على جميع الدول الإسلامية، ويساعدهم على ذلك هجومهم لنهب الثروات، ومن هذه الجهة يجب الاحتراز عن أي عمل يؤدي إلى التفرقة وهذا تكليف شرعي وإلهي.

سرُّ الانتصار وسب الهزيمة:

يا مسلمي العالم، آه يا أتباع عقيدة التوحيد، إن سرّ كل هذه المصاعب والمتاعب في الدولة الإسلامية، هو اختلاف الكلمة وعدم التنسيق. وإن سرّ الانتصار هو وحدة الكلمة ووجود التعاون والتنسيق حيث بيّن الله ذلك في جملة واحدة: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا}.

الاعتصام بحبل الله بيان تعاون جميع المسلمين، في سبيل الإسلام ولأجل مصالح المسلمين وللابتعاد عن التفرقة والانفصال والتحزب الذي هو أساس جميع المصائب والتخلف. أطلب من الله العلي القدير وحدة كلمة مسلمي العالم وعظمة الإسلام والمسلمين.

واجهوا المثقفين المأجورين:

يا مسلمي العالم الذين آمنتم بحقيقة الإسلام، انهضوا واتّحدوا تحت راية التوحيد، وفي ظل تعاليم الإسلام، وكفّوا أيادي القوى العظمى الخائنة عن بلادكم وثرواتها العظيمة، وأعيدوا مجد الإسلام، واحترزوا من الخلافات والأهواء النفسانية لأنكم تملكون كل شيء، اعتمدوا على حضارة الإسلام، وحاربوا الغرب والمتغرّبين، وقفوا على أقدامكم، وناهضوا المثقفين المتغرّبين والمستشرقين، وحقّقوا هويتكم لأن المثقفين المأجورين قد جلبوا الكثير من البلايا والمصائب لشعوبهم وبلدانهم لضرب وحدتكم والحيلولة دون اعتمادكم على الإسلام. وما لم تتحدوا، وبالدقة ما لم تعتمدوا على الإسلام المستقيم ستواجهون ما واجهتموه حتى يومنا هذا.

اليوم هو زمن ينبغي على الشعوب أن تنير درب مثقفيها ومفكريها لإنقاذهم من حالة الانسحاق والضعف أمام الشرق والغرب، اليوم هو يوم حركة الشعوب التي كانت وما زالت تعتبر حتى اليوم قبلة للهداة؟. اعلموا أن قدرتكم المعنوية مسيطرة على جميع القوى الأخرى. وأنتم تشكلون نحو المليار نسمة مع ما عندكم من ثروات لا تنضب، تستطيعون القضاء على كل القوى. انصروا الله ينصركم، أيها المحيط الإسلامي الكبير المارد، انهض وحطّم أعداء الإنسانية، وإذا ما سلكتم طريق الله والتزمتم تعاليم السماء فإن الله وجنوده معكم.

المشاركة في صلاة الجماعة للإخوة أهل السنّة:

طوفوا حول الكعبة بالطواف المتعارف على النحو الذي يقوم به جميع الحجّاج. واحترزوا من الأعمال التي يفعلها الأشخاص الجاهلون، واحترزوا بالمطلق من الأعمال التي تزكون موجبة لوهن المذهب وفي الوقوفين فإن أتباع حكم قضاة أهل السنّة لازم ومبرئ ما لم يُقطع بالخلاف.

ويجب على الأخوة الإيرانيين وشيعة سائر الدول الاحتراز من الأعمال الجاهلة التي تؤدي لتفرقة المسلمين، وينبغي الحضور بين جماعات أهل السنّة. واجتناب الصلاة جماعة في المنازل، والاحتراز من وضع مكّبرات الصوت خلاف المتعارف، واجتناب الارتماء على القبور المطهرة والأعمال التي تكون أحياناً مخالفة للشرع الحنيف.

الفصل الثالث: البعد السياسي للحج

“إن إحدى أكبر فلسفات الحج هي البعد السياسي الذي تسعى أيادي الجناة لاقتلاعه”.

الإمام الخميني (قدس سره)

أهمية البعد السياسي للحج:

إن إحدى أكبر فلسفات الحج ـ القضية ـ هي البعد السياسي الذي تسعى أيادي الجناة لاقتلاعه واجتثاثه من كافة جوانبه وهم يعملون على ذلك. وللأسف إن دعايات وتبليغات هؤلاء قد أثرت على المسلمين حيث أصبح الكثيرون من المسلمين يعتبرون أن السفر إلى الحج عبارة عن عبادة جافة وصعبة وخالية من أي تفكير بمصالح المسلمين. إن الحج منذ ذلك اليوم الذي جعل فيه لم يقلَّ بعده السياسي أهمية عن بعده العبادي أبداً، وإن البعد السياسي بنفسه عبادة، إضافة لكونه سياسة.

إن البعد السياسي لهذه المناسك العظيمة من أكثر الأبعاد المهجورة والمُغْفَلَة. وقد عمل الجناة وما زالت أياديهم الخائنة تعمل أكثر وستبقى تعمل لأجل إبقائه مهجوراً. ومسلموا اليوم وفي هذا العصر، عصر شريعة الغاب، مكلفون أكثر من أي زمن مضى لرفع هذه الشبهات وإظهار هذا البعد. لأن اللاعبين الدوليين ولأجل إبقاء المسلمين في غفلتهم ودائرة التخلف من جهة، وعمل عملائهم النفعيين من جهة أخرى، وغفلة الأجيال الجاهلة من ناحية وعلماء البلاط أو أصحاب الفهم المنحرف والملتوي من ناحية أخرى، والنسّاك الجاهلون من جهة عن علم أو عن غير علم, قد وقفوا وراء بعضهم البعض لمحو هذا البعد ليعملوا فيما بعد على تقرير مصير المظلومين وتحريرهم. ينبغي على الملتزمين والواعين والذين تحترق قلوبهم لأجل غربة الإسلام وهجرانه أن يبينوا هذا البعد في أحكام الإسلام وخاصة في أحكام الحج حيث أن هذا البعد أكثر وضوحاً وتأثيراً. لينهضوا جميعاً ويسعوا لأجل ذلك من خلال أقلامهم وأحاديثهم وبياناتهم وكتاباتهم وخصوصاً في أيام موسم الحج وبعد الانتهاء من هذه المراسم العظيمة، وعودتهم إلى ديارهم وبلادهم. وبالإلتفات لهذا البعد العظيم يستطيعون تحريك الناس وتوعيتهم لأجل تحرير مظلومي العالم من ضغط أدعياء السلام الظالمين المتزايد يوماً بعد يوم. ومن الواضح جداً أنه ما لم يتمكن المسلمون في هذا التجمع العالمي العظيم الذي يضم جميع فئات الشعوب الإسلامية المظلومة، لأي مذهب أو شعب انتموا أو أي لغة تكلموا ومن أي لون أو طبقة كانوا والذين يجتمعون جميعاً وبزي واحد ولباس متشابه، بعيداً عن الشكليات من حل المسائل الأساسية للإسلام والمسلمين ومظلومي العالم، وما لم يجلسوا مكان الحكومات المستكبرة ومتكلمي الزور سوف لن يجنوا شيئاً من الاجتماعات الصغيرة في المناطق والأقاليم وسوف لن يتهيّأ لنا الوصول إلى حلول ما.

بيت الله الحرام أوّل بيت بني للناس، بيت للجميع ولا أفضلية فيه لأي شخصية أو نظام أو طائفة. الجميع سواسية هناك، فأهل البادية وسكان الصحاري والذين يحملون بيوتهم على أكتافهم متساوون مع العاكفين في الكعبة وسكان المدن ورعايا الدول. هذا البيت شيّد للناس لأجل نهضة الناس، نهضة الجميع، ولأجل منافع الناس. وأي نفع أعظم وأعلى من جعل أيادي جبابرة العالم، وظلمة العالم مكفوفة عن تسلطها على الدول المظلومة ولتصبح ثروات الدول العظيمة من حق شعوبها أنفسها. إن البيت قد أسس من أجل نهوض الناس ولأجل الناس, لذا يجب الإجتماع هناك على أساس هذا الهدف الكبير، وتتأمن منافع الناس في هذه المواقف الشريفة وترجم الشياطين الكبيرة والصغيرة. ولا يكفي أبداً مجرد عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وامتلاك مفتاح البيت، فهذا ليس له علاقة بالهدف. وإبقاء البيت والمسجد عاديين كما كانا زمن إبراهيم وصدر الإسلام، وأن يتحد المسلمون في ذلك المكان دون تكلف مع الوافدين بدون حلق الرأس أفضل آلاف المرات من تزيين الكعبة ورفع بنائِها العظيم، والغفلة عن الهدف الأصلي الذي هو نهوض الناس وشهود منافع الناس {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين}، وكأن الآية الكريمة نازلة في عصرنا نحن وتتحدث عن حالنا في عصرنا الحاضر. نراهم مشغولين بالسقاية وحياة الحجاج، وعمارة وتزيين المسجد الحرام وغافلين عن الإيمان بالله واليوم الآخر ويقفون جانباً عن الجهاد في سبيل الله وهذا ظلم والذين هم غافلين عن ذلك يحسبون من الظالمين, الإيمان بالله واليوم الآخر, يعني أن يجاهد الإنسان في سبيل الله. ويثور لأجل الحق، وإقامة القسط والعدل، والله لا يهدي قوماً ليسوا كذلك لأنهم ظالمون.

اليوم موسم حج بيت الله الحرام يأتي المسلمون من جميع أطراف العالم لأجل زيارة بيت الله فينبغي أثناء إنجاز أعمال الحج الشريفة الانتباه إلى إحدى أهم فلسفات هذا الاجتماع العظيم، فيبحثوا في الأوضاع السياسية والاجتماعية للدول الإسلامية، ويطلعوا على المصائب والمصاعب التي يواجهها إخوانهم في الإيمان، ويسعوا ضمن إطار تكليفهم الإسلامي والوجداني لرفعها وحلها. فالاهتمام بأمور المسلمين من الواجبات المهمة في الإسلام.

الحج فرصة الوعي السياسي:

إلى جميع حجّاج بيت الله الحرام أيّدهم الله، بعد التحية والسلام، اليوم وبسبب تساهل واستهتار الشعوب الإسلامية تمكّنت مخالب الاستعمار الخبيثة من أن تنفد إلى أعماق الأراضي الواسعة للأمة القرآن وتبتلع جميع ثرواتنا ومنابعنا الضخمة المؤممة.

إن ثقافة الاستعمار المسمومة قد انتشرت حتى وصلت إلى أعماق المدن والقرى في الدول الإسلامية، ورمت ثقافة القرآن جانباً، وبدأت صياغة أجيالنا أفواجاً أفواجاً ليكونوا في خدمة الأجانب والمستعمرين. في كل يوم يحرفون شبابنا بنغمة جديدة وأسماء خدّاعة، ينبغي عليكم أنتم يا أمّة الإسلام الذين اجتمعتم في أرض الوحي لأداء مناسك الحج، أن تستفيدوا من هذه الفرصة وأن تفكّروا بحلٍ ما، تفاهموا وتبادلوا وجهات النظر لأجل حل مشاكل المسلمين.

ويجب أن تتنبهوا أيتها الشعوب الإسلامية أنه في هذا الاجتماع العظيم الذي هو بأمر من الله تعالى وفي كل سنة وفي هذه الأرض المقدسة أنكم مكلفون بالسعي في سبيل الأهداف الإسلامية المقدسة وتحقيق المقاصد العليا الشريفة المطهرة في سبيل تطور وعلو المسلمين ووحدة واتحاد المجتمعات الإسلامية.

كونوا فكراً واحداً وعهداً واحداً في طريق الاستقلال واجتثاث سرطان الاستعمار. لقد سمعتم مشاكل ومتاعب الشعوب الإسلامية من لسان أهل كل بلد فلا تتباطأوا عن أي إجراء في سبيل حل مشاكلهم. فكّروا لأجل فقراء ومعوزي الدول الإسلامية. فكّروا بطريقة ما لأجل تحرير الأراضي الفلسطينية الإسلامية من مخالف الصهيونية عدوة الإسلام والإنسانية. لا تغفلوا عن مساعدة ومعاونة أولئك الأبطال الذين يقاومون بشهامة وبطولة في سبيل تحرير فلسطين. ينبغي على المفكرين المشاركين في هذا الاجتماع من أي بلد كانوا توعية الشعوب وإصدار البيانات بعد تبادل الآراء ووجهات النظر، وتوزيعها في محيط الوحي بين المجتمع الإسلامي، وكذلك نشرها في بلدانهم حين عودتهم، وأن تطلبوا في هذه البيانات من رؤساء الدول الإسلامية، أن يضعوا أهداف الإسلام نصب أعينهم ويضعوا الخلافات جانباً ويفكروا بطريقة ما لأجل الخلاص من براثن الاستعمار.

هناك جوانب سياسية كثيرة تطرح في الاجتماعات، جماعات وجُمعات، وخصوصاً الاجتماع العظيم للحج، التي من جملتها الإطّلاع على المشاكل والمتاعب الأساسية والسياسية للإسلام والمسلمين، التي يمكن أن تطرح من خلال المؤتمرات للعلماء والمثقفين والملتزمين من حجّاج بيت الله الحرام، وأن يطلعوا على الحلول الممكنة من خلال التشاور، وينقلوا هذه الحلول يطرحوها في التجمعات العامة عند عودتهم إلى بلدانهم ويسعوا لأجل حل مشاكلهم.

قدِّموا التقارير:

في هذا الاجتماع المقدّس للحج، يجب أولاً بحث المسائل الأساسية للإسلام، وثانياً تبادل وجهات النظر في المسائل الخاصة للدول الإسلامية، أنظروا ماذا يجري على الإخوة المسلمين في داخل دولهم من الاستعمار وعملائه وأتباعه. يجب على أهل كل بلد أن يقدَّموا تقريراً لمسلمي العالم في هذا الاجتماع المقدّس يشرحون فيه ما تعانيه شعوبهم من مصاعب ومتاعب.

الاستكبار يخشى وحدتكم:

أيّها الحجّاج المحترمون، لقد اجتمع العالم حول بعضه البعض، ويتبادل الآراء في مصالح الإسلام ومشاكل المسلمين، فيجب أن تتخذوا إجراءات ضرورية لحل هذه المشاكل والوصول إلى الأهداف الإسلامية المقدّسة. وابحثوا في طريق وسبل الوحدة بين جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية، وابحثوا في المسائل السياسية المشتركة بين جميع الطوائف الإسلامية، وابحثوا المشاكل التي أوجدها أعداء الإسلام لمسلمي العالم والتي نعتبر أهمها تفرقة صفوف المسلمين، لأجل إيجاد حلّ لها. وكما يعلم الجميع فقد سعَّرت قوى الشرق والغرب من أكلة العالم في الآونة الأخيرة نار هذه المعركة الخطيرة لأنها تخشى وحدة المليار مسلم. وتعمل بكل قوتها بشكل مباشر أو من خلال أيادي عملائها المنحرفين لإيجاد هذه الاختلاف حتى تبقى متسلّطة ومسيطرة على مقدَّرات مسلمي العالم وحاكمة عليهم لتنهب ثرواتهم وذخائرهم التي لا تنتهي.

هذه الاجتماعات والتجمّعات التي هيّأها الإسلام بنحو سهل لأجل المسلمين، فجعل الله سبحانه في كل سنة فريضة على كل من يستطيع، فيجتمعوا في مكّة المعظّمة وفي المواقف الشريفة، ويستحب لجميع المسلمين وإن كانوا غير مستطيعين القيام بهذه العبادة الإلهية والنكتة المهمة في هذه الاجتماعات، هي أن المسلمين يجتمعون مع بعضهم في محيط واحد، بعيداً عن التشريفات، في محيط تسقط فيه كل جوانب الاعتبارات الشخصية، ويحضر أحدنا في تلك المواقف بكفن هو عبارة عن قطعتين من القماش لا غير، والمهم هو اطلاع بعضنا البعض على المشاكل التي عانت منها بلاد المسلمين طيلة السنوات الماضية، والتفكير لأجل حل هذه المشكلات للمسلمين. وما الاجتماع المليوني الكبير الإسلامي في الحجاز إلا لأجل هذه النكتة.

غفلة الكبار:

للأسف نحن المسلمون الذي ابتعدنا عن الإسلام، وانزوينا عن الحقائق الإسلامية، ونحن لناس بصدد التفكير به أبداً، أولاً: بأن يذهب القادرون ويتشرّفوا في بيت الله، ويجتمع المفكرون، والكتّاب والمثقفون والعلماء في ذلك المحيط ويبحثوا في مشاكل المسلمين في شتى أنحاء العالم، وأن يحلوا ما يستطيعون حلّه.

الآن نرى أنه لا يتشرّف بمكة وحج بيت الله الحرام، سوى فئة معينّة من عوام الناس، فيجتمعون هناك، أما الأشخاص القادرون والمؤثرون في الحكومات من كبار القوم ويستطيعون الاجتماع هناك للبحث في مسائل الإسلام والمسلمين وفي المسائل السياسي والاجتماعية فنراهم للأسف غافلين عن هذا الأمر.

الحج ـ الاجتماع الأكبر:

إن عقد هذه الاجتماعات قائم في جميع دول المسلمين. وفي كل مدينة وقرية، هذه أمر سياسية واجتماعية ينبغي على أهل كل بلد أن يجتمعوا في المساجد ويبحثوا في مشاكلهم ويعملوا على حلّها.

وإن صلاة الجمعة هي صلاة عبادية سياسية واجتماعية، حيث أنه في كل أسبوع يكثِّف الناس اجتماعاتهم ويحلّوا مشاكلهم هناك. وإن اجتماع الكعبة هو أكبر اجتماع حيث تعجز أي دولة عن القيام به. جعله الله تبارك وتعالى بهذا النحو الذي يقوم فيه المسلمون دون أيّة متاعب أو مصاعب، وحتى بدون أن تصرف الدول ميزانية لأجله، ويجتمعوا هناك، ولكن للأسف لا يستفاد من ذلك.

على جميع البلاد التي تدخل مكّة وأفرادها المستطيعين أو علمائها المحترمين أن يبحثوا في أوضاع المسلمين في كل سنة، ما هو حالهم؟ كيف هو الوضع بينهم وبين حكوماتهم؟

ما هو الوضع بين حكوماتهم والقوى الشيطانية الأخرى؟ ما هو الوضع بين الشعوب أنفسهم؟ وبينهم وبين الشعوب الأخرى؟ ما هو الوضع بين العلماء المنتشرين في بلاد المسلمين وبين وضع الحج، هذه أمور ينبغي ويجب بحثها، والحج إنما هو لأجل ذلك. الحج إنما هو لأجل البحث في مشاكل المسلمين في كل سنة ولأجل وضع الحلول لها.

إن معمّمي البلاد الذي يفرقون بين منطقة وأخرى، ويقولون إن الحج يجب أن يخرج عن الأطر السياسية، هؤلاء يدينون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هؤلاء يدينون الخفاء، يدينون أئمة الهدى، هؤلاء لا يعلمون أن السفر على الحج إنما كان لأجل هذه المشاكل، إنما كان لأجل قيام الناس، إنما كان لأجل أن يدرك المسلمون مشاكل المسلمين ويسعون لأجل حلها، إنما كان لأجل خلق الأخوّة والمودّة بين المسلمين.

العدو المشترك:

بكل تواضع أعرض على الحجاج المحترمين وزوّار بيت الله الحرام لأي بلد أو طائفة أو مذهب انتموا. جميعكم من أمّة الإسلام وأتباع النبي والسائرين على هدى القرآن المجيد، وجميعكم لديكم عدوٌ غدّارٌ مشترك، استطاع من خلال إيجاد الاختلافات والتفرقة بواسطة عملائه السيئين، ومن خلال وسائل الأعلام الجماعية، وبث الإشاعات والدعايات الكاذبة على امتداد التاريخ، وخاصة في الفترة الأخيرة وبالأخص في عصرنا الحاضر، أن يأسر جميع الدول والشعوب الإسلامية، وأغار على ذخائر بلادكم الغنية، وما زال يُغِيْر على مظلومي بلادكم، وهو بصدد أن يصمّ سمع الحكومات يُعمي أعينهم بالكامل، وتصبح الشعوب بيديه سوقاً استهلاكية، ويمنع بمكائده وحيله الشيطانية، ومؤامراته، أي تقدم إنساني أو حضاري أو صناعي لهذه الدول المظلومة، ويؤكد بذلك أكثر فأكثر على ضرورة الارتباط والاعتماد على الشرق والغرب ولا يسمح حتى في مجال التفكير لأي شخص يفكر بالاستقلال والإبداع ويخنق في الصدور حتى الأنفاس المتوثبة لأجل توعية الشعوب وتحريكها، وأنتم تشاهدون الوضع المأساوي في البلاد الإسلامية وسائر الدول المظلومة، هذا نتيجة مؤامرات أعداء المسلمين والمظلومين المشتركين. ولكنكم الآن في مركز الإسلام، واجتمعتم حول بعضكم البعض بأمر من الله ورسوله، واجتمعتم في هذا المكان العظيم من مذاهب وشعوب متعددة، لأجل أن تفكّروا بطريقة ما للتخلص من هذا السرطان والوجع المهلك.

أصلحوا رؤساءكم:

يجب على مسلمي العالم أن يعملوا على تربية وضبط وإصلاح رؤسائهم الذين باعوا أنفسهم في بعض الدول، ويعملوا على نصيحتهم أو تهديدهم حتى يستيقظوا من سباتهم الذي سيؤدي بهم وبمصالح الشعوب إلى الفناء. ويحذروا هؤلاء العملاء والمأجورين، ويكونوا هم أنفسهم يقظين بوعي كامل، ولا يغفلوا عن خطر المنافقين وسماسرة الاستكبار العالمي، وأن يضعوا كفّاً على كف ويتركوا مراقبة الساحة التي تشهد تحطم الإسلام وغارات لنهب الثروات ورؤوس الأموال وهتك أعراض المسلمين.

تجهَّزوا لمحاربة إسرائيل:

اليوم وقعت قبلة المسلمين الأولى بيد إسرائيل، هذه الغدّة السرطانية في الشرق الأوسط. اليوم يجاهد إخوتنا الأعزاء اللبنانيون والفلسطينيون بكل قوتهم وتروي دماؤهم الأرض. اليوم تعمل إسرائيل بكل وسائلها الشيطانية لإيجاد الفرقة. يجب على كل مسلم أن يجهّز نفسه لمحاربة إسرائيل.

إن فلسفة الحج يجب أن تشكّل أجوبه لهذه الصرخات المظلومة، والطواف حول بيت الله يتجلى بأن الإنسان لا يطوف إلا لله ويرفض أن يطوف لأحد آخر غير الله.

وإن رجم العقبات هو رجم شياطين الإنس والجن، أنتم برجمكم تعاهدون الله على أن تطردوا شياطين الإنس والقوى العظمى من بلادكم الإسلامية، اليوم العالم الإسلامي أسير بيد أمريكا، أنتم تحملون رسالة من الله لأجل جميع المسلمين في القارَّات المختلفة من العالم، رسالة تؤكد أن العبودية إنما هي لله وحده ولا يمكن أن تكون لأي شخص آخر.

فكّروا بطريقة ما، لأجل تحرير الأراضي الإسلامية الفلسطينية من مخالب الصهيونية العدوة اللئيمة للإسلام والإنسانية.

لا تغفلوا عن مساعدة ومعاونة أولئك الأبطال المضحّين الذين يجاهون ويقاومون في سبيل تحرير فلسطين.

يجب على الشعوب الإسلامية أن تفكّر بتحرير فلسطين، وتبرز غضبها واستياءها من المساومة والصلح التي يقوم بها زعماء العار الذين باعوا أنفسهم وهدروا أهداف شعوب الأرض المحتلة والمسلمين في المنطقة بإسم فلسطين، وأن لا تسمح لهؤلاء الخونة، بالجلوس على طاولة المفاوضات والقيام بالجولات المكوكية التي تهدف إلى النيّل من شرف وكرامة الشعب الفلسطيني البطل.

إن هؤلاء الثوّار الظاهرين، ضعاف النفوس، الذين باعوا أنفسهم باسم تحرير القدس يتوسّلون بإسرائيل وأمريكا، لا يظن هؤلاء أنه مع مرور الزمن قد تغيّرت سيرة وصورة جرائم العدو الصهيوني، وأن الذئاب مصّاصي الدماء والصهاينة قد رفعوا أيديهم عن التفكير بالتوسع واغتصاب الأراضي من النيل إلى الفرات، سوف لن يتوانى أحد من المسؤولين المحترمين في إيران وشعبنا والشعوب الإسلامية، عن مقاومة هذه الشجرة الخبيثة لاجتثاثها من الوجود.وبعون الله تعالى وبفضل أتباع الإسلام والقدرات المعنوية لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالاستفادة من إمكانات الدول الإسلامية، وتشكيل قوى حزب الله في العالم سيتمكنون من إخراج فلسطين والأراضي المغتصبة من مخالب الصهيونية، سيجعلونها تندم على كل جرائمها التي ارتكبتها في الماضي. وأنا، كما قلت وحذّرت مراراً في السنوات الماضية قبل وبعد الثورة، مجّدداً أحذّر من خطر انتشار هذه الغدّة السرطانية الصهيونية في قلب وجسد العالم الإسلامي وأعلن عن دعمنا وتأييدنا شعباً وحكومة ومسؤولين في إيران للشعوب الإسلامية والمقاومة، وللشباب المسلم الغيور في سبيل تحرير القدس. وأشكر شباب لبنان الأعزّاء الذين كانوا سبباً لعزّة وارتقاء أمّة الإسلام، وأذلُّوا ومرغوا أنوف أَكَلَة العالم.

وادعوا الله لجميع الأعزاء في داخل الأراضي المحتلة والذين على حدوَد هذا البلد المغتصب الذين يقاومون ويجاهدون العدو ويوجِّهون له الضربات معتمدين على سلاح الإيمان. وأطمئنكم أنّ شعب إيران سوف لن يترككم وحدكم، توكّلوا على الله واستلهموا من القدرات المعنوية للمسلمين واهجموا على الأعداء وتسلّحوا بسلاح التقوى والجهاد والصبر والثبات {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}.

دور العلماء والمفكرين:

ينبغي على المفكرين الذين يشاركون في هذا الاجتماع ومن أي بلد كانوا، أن يصدّروا البيانات التي تدعو لتوعية الشعوب بعد تبادل الآراء، والاستدلال لها، وتوزيعها في “محيط الوحي” بين المجتمعات الإسلامية، ونشرها أيضاً بلادهم بعد عودتهم إليها. ويطلبوا في هذه البيانات من رؤساء الدول الإسلامية أن يضعوا نصب أعينهم الأهداف الإسلامية، ويضعوا جانباً الاختلافات، وأن يفكّروا بحل ما لأجل الخلاص من مخالب الاستعمار.

إن إحدى الفرص المناسبة والتي يجب أن يستغلها العلماء هي إقامة العلاقات مع أصحاب الرأي والمفكرين، وعلماء الدول الإسلامية، حيث أن الاستكبار العالمي أو بعض رؤساء الدول الإسلامية يعملون بقوة لمنع هذا النوع من اللقاءات وإقامة العلاقات المتينة يراقبون ذلك، وقد كان أحد أهداف الجمهورية الإسلامية والاستفادة من هذا الظرف المناسب لتبادل الآراء والأفكار ووضع البرامج الدقيقة والمفصّلة والصحيحة لأجل العثور على الحلول لمشاكل ومعضلات المجتمعات الإسلامية.

غفلة العلماء:

ويا للعجب كيف أن الكثير من علماء وروحانيي الدول والبلاد الإسلامية غافلون عن دورهم العظيم وعن رسالتهم الإلهية والتاريخية في هذا العصر الذي تعيش فيه البشرية الظمأ للأحكام النورانية والمعنوية للإسلام. وكيف لا يدركون ظمأ الشعوب واشتعال رغبات المجتمعات البشرية التي لا تعرف شيئاً عن قيم الوحي الإلهي، ولم يقدّروا قدراتهم ونفوذهم المعنوي لديهم، فبوسع علماء البلاد والخطباء وأئمة الجمعة والمفكرين الإسلاميين في هذه الظروف التي يخيم فيها زهو العلوم والحضارة المادية على الجيل المعاصر، أن يجعلوا باتحادهم وتلاحمهم وشعورهم بالمسؤولية والعمل بواجبهم وتكليفهم المهم في هداية وقيادة الناس، الدنيا في متناول سيادة القرآن ونفوذه، وأن يضعوا حدّاً لكل هذا الفساد واستعباد المسلمين واحتقارهم، وأن يحولوا دون تغلغل الشياطين الصّغار والكبار وخاصة أمريكا في البلدان الإسلامية، وأن يشمِّروا عن سواعدهم وينكبُّوا على تحقيق ونشر الأحكام النورانية للإسلام بدل كتابة المطولات وإطلاق الترهات والكلمات التي تفرق الناس، وكيل المديح والثناء لسلاطين الجور والظلم، والتسبب بانحراف المستضعفين عن نصرتهم للإسلام وقضاياه.

وأن يحققوا عزّتهم ويعيدوا الاعتبار والكرامة لأمَّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).

بالاستفادة من هذا البحر الواسع للشعوب الإسلامية. أليس عاراً على علماء الدول الإسلامية مع وجود القرآن الكريم والأحكام النورانية للإسلام وسنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، أن تحكم قوانين الكفر في البلاد الإسلامية وتكون تحت نفوذهم، وينفذون الأوامر والتعليمات التي تملى عليهم من المزيفين والمزورين وأعداء الإسلام له. يجب على علماء البلاد والدول الإسلامية أن يقولوا لشعوبهم مدى الآثار السيّئة والنتائج المترتبة على الضياع أمام مغريات الشرق والغرب، وأن ينبّهوا الشعوب والدول لخطر الاستعمار الجديد، وشيطنة القوى العظمى التي صنعت الحروب لقتل المسلمين في العالم. إنني أؤكد مجدداً أن الدنيا اليوم ظمأى للحقائق والأحكام النورانية للإسلام وقد تمّت الحجة الإلهية على جميع العلماء والروحانيين… فإن المسلمين الشجعان والمقاومين الأعزّاء، حزب الله في لبنان وسائر الدول يقاومون ويجاهدون المعتدين، فأي حجّة أكبر من ذلك وأي ذريعة تبقى للسكون والمسايرة والجلوس في البيت والعمل بالتقية في غير موردها.

إذا تأخّر العلماء والروحانيون الملتزمون بالإسلام عن العمل، سيفوت الأوان. طبعاً نحن نشعر ونحسّ بآلام بعض العلماء الملتزمين المحاصرين في مدنهم وبلادهم تحت حراب وضغط التهديدات وأحكام علماء السوء اللا شرعية، ولكن أذكّر جميع هؤلاء الأعزّاء الذين هم تحت ضغط الجبّارين بموعظة الله سبحانه، {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}.

قوموا لله ولا تجزعوا من الوحدة والغربة، فالمساجد أفضل المتاريس، وصلاة الجمعة والجماعة أفضل الساحات والميادين لتنظيم وشرح وبيان مصالح المسلمين.

الحج الإبراهيمي الغريب:

من الأمور التي لا تقبل الإنكار ولا تحتاج إلى التذكير أن الإسلام العظيم هو دين التوحيد ومحطم الشرك والكفر وعبادة الأصنام وعبادة النفس وهو دين الفطرة والخلاصة من قيود الطبيعة ودسائس الشطيان من الجن والإنس في العلن والخفاء، ودين سياسة التمدن والهادي إلى الصراط المستقيم “لا شرقية ولا غربية” دين عبادته سياسة وسياسته عبادة، والآن حيث يجتمع مسلمو العالم من البلاد المختلفة حول كعبة الآمال وحجّ بيت الله الحرام للقيام بهذه الفريضة الإلهية العظيمة وعقد هذا المؤتمر الإسلامي الكبير في هذه الأيام المباركة، فإن على المسلمين الذين يحملون رسالة الله تعالى أن يستفيدوا من المحتوى السياسي والاجتماعي للحج إضافة إلى محتواه العبادي ولا يكتفوا بالمظهر الخارجي. الجميع يعلم أنه ليس بمقدور أي إنسان وأية دولة عقد مثل هذا المؤتمر الكبير، وأن أمر الله تعالى هو الذي صنع هذا الاجتماع العظيم إلا أنه مع الأسف لم يستطع المسلمون على مرّ التاريخ من أن يستفيدوا من هذه القوة السماوية وهذا المؤتمر الإسلامية كما ينبغي لصالح الإسلام والمسلمين.

والآن حيث أن حجّاج بيت الله الحرام الذين يتحررون من قفص البدن وقيود الدنيا ويهاجرون إلى الله ورسوله حيث يصبح البيت القلب ولا شيء فيه غير المحبوب الحقيقي بل لا شيء غيره ي الداخل والخارج. يجب أن يعلموا أن الحج الإبراهيمي ـ المحمدي (صلى الله عليهما وآلهما) مهجور وغريب منذ سنوات، إن من الناحية المعنوية والعرفانية وإن من الناحية السياسية والاجتماعية، ويجب على الحجّاج الأعزّاء من سائر الدول الإسلامية أن يعيدوا الكعبة وبيت الله من غربتهما، وبجميع ابعادهما. إن الأسرار العرفانية والمعنية لبيت الله يتكفل بها العرفاء غير المحجوبين، أما نحن المشغولون بأبعاده السياسية والاجتماعية فيجب أن نقول إننا بعيدون مسافات عنها، ونحن ملزمون بإصلاح ما فات. إن هذا المؤتمر الذي بتمامه سياسة ينعقد بدعوة من إبراهيم ومحمد وآلهما ويقصد إليه من كل زوايا الدنيا ومن كل فجٍّ عميق للاجتماع فيه، لأج منافع الناس والقيام بالقسط وللاستمرار بتحطيم أصنام إبراهيم ومحمد، وطواغيت فرعون التي محاها موسى. وأي صنم يصل لمستوى الشيطان الأكبر وأصنام وطواغيت أكلة العالم التي أخضعت جميع مستضعفي العالم لعبادتها والسجود لها واعتبرت جميع عباد الله الأحرار عبيداً لأوامرها؟

إن فريضة الحج التي هي لبيك بحق وهجرة إلى الله إنما هي ببركة إبراهيم ومحمد (عليهما السلام) بمعنى “لا” لجميع الأصنام والطواغيت والشياطين وأبنائهم. وأي صنم اكبر من الشيطان الأكبر أمريكا ناهبة العالم والاتحاد السوفياتي الملحد المعتدي وأي طاغوت أكبر من طواغيت زماننا.

الحج مدرسة التضحية:

أقدم تهانئي الخالصة لجميع المسلمين في العالم بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك. هذا العيد الذي يذكّر الناس الواعين بمذبح الفداء الإبراهيمي، هذا المذبح الذي قدّم درس الفداء والجهاد في سبيل الله تعالى لأبناء آدم وأصفياء وأولياء الله، هذا العمل بعمق أبعاده التوحيدية والسياسية لا يستطيع إدراكه غير الأنبياء العظام والأولياء الكرام وخاصة عباد الله. هذا أبو التوحيد ومحطم أصنام العالم، علّمنا والبشرية جمعاء أن التضحية في سبيل الله وقبل أن تكون ذات بُعد توحيدي وعبادي، تمتلك أبعاداً سياسية وقيماً اجتماعية، علمنا وجميع الناس كيف نقدم أعزّ ثمرات حياتنا في سبيل الله، ونحتفل بالعيد ضحوا بأنفسكم وأعزائكم وأقيموا دين الله والعدل الإلهي، لقد أفهنا نحن ذرّيّة آدم أن مكّة ومنى مذبح العشاق وأن هذين المكانين هما لنشر التوحيد ونفي الشرك، لأن التعلق بالنفس والأعزاء أيضاً من الشرك.

لقد علم أبناء آدم الجهاد في سبيل الله من هذا المكان العظيم بلّغوا العالم أيضاً عن الفداء والتضحية، وقولوا للعالم، إنه في سبيل الله وإقامة العدل الإلهي وقطع أيادي المشركين في هذا الزمان، يجب أن يخلّد الحق بتمامه في أي شيء حتى ولو كان مثل إسماعيل الذي قضى، وهذا حق محطّم الأصنام هذا وولده العزيز محطّم الأصنام الآخر سيِِّد الأنبياء محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) علّما البشرية أنه يجب تحطيم الأصنام كيفما تكون. وأن الكعبة، أم القرى على امتداد سعتها وحتى آخر نقطة من الأرض، وحتى آخر يوم في العالم يجب أن تطهّر من دنس الأصنام، أي صنم كان وكيفما كان أكان هياكل أو شمساً أو قمراً أو حيواناً أو إنساناً أو صنماً أسوأ وأخطر من الطواغيت على امتداد التاريخ، من زمن آدم صفيّ الله حتى إبراهيم خليل الله، إلى محمد حبيب الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى آخر الزمان الذي يظهر فيه محطّم آخر للأصنام ويطلق نداء التوحيد من الكعبة. أو ليست القوى الكبرى في زماننا أصناماً كبيرة سيطرت على العالم ودعته لعبادتها وفرضت نفسها عليه بالقوة والتزوير؟… إن الكعبة المعظمة هي المركز الأوحد لتحطيم هذه الأصنام، إبراهيم الخليل في أول الزمان وحبيب الله وولده العزيز المهدي الموعود روحي فداه في آخر الزمان صدحوا بنداء التوحيد من الكعبة ويصدحون، قال الله لإبراهيم {وأذّن في الناس..} وقال: {… وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركّع السجود}.

وهذا تطهير من جميع الأرجاس التي أكبرها الشرك الذي هو في صدر الآية الكريمة ونقرأ في سورة التوبة: {وأذان… ورسوله..} وإن الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) وعلى لسان كل الأديان وباتفاق المسلمين، يطلق نداء من الكعبة ويدعو البشرية إلى التوحيد. والجميع يطلقون صرخاتهم من الكعبة وكلمة التوحيد من ذاك المكان المقدَّس. وبالصرخات والدعوات والتظلُّمات وفضح المؤامرات والاجتماعات الحيّة والحاسمة في مجمع المسلمين في مكّة المكرمة نحطّم الأصنام وتُرجم الشياطين وعلى رأسهم الشيطان الأكبر في العقبات، ونطردهم حتى نحقق حج خليل الله وحبيب الله وولي الله المهدي العزيز، وإلا نكون مصداقاً للقول: ما أكثر الضجيج وما أقلّ الحجيج.

تطبيق الشعائر:

يجب أن تعلموا أن الطريق الأساس في ظل وحدة المسلمين والتجمع العام هو في قطع يد القوى العظمى عن الدول الإسلامية وتطبيق شعائر المواقف الكريمة والمشاهد المشرّفة عملياً في بلادهم.

البراءة ركن الحج:

إن إعلان البراءة من المشركين تعتبر من الأركان التوحيدية والواجبات السياسية للحج. فحاشا أن يتحقق إخلاص الموحدين في حبهم بغير إظهار السخط على المشركين والمنافيين، وأي بيت هو أفضل من الكعبة البيت الآمن والطاهر. بيت الناس لنبذ كل أشكال الظلم والعدوان والاستغلال والرق والدناءة اللاإنسانية قولاً وفعلاً، وتحطيم أصنام الآلهة تجديداً لميثاقه “ألست بربكم” وذلك إحياءً لذكرى أهم وأكبر حركة سياسية للرسول التي عبر عنها القرآن بقوله: {وآذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} ذلك أن سنّة الرسول وإعلان البراءة لن يبليا لأن إعلان البراءة لا يقتصر فقط على أيام الحج. إذ على المسلمين أن يملأوا أجواء العالم بالمحبة والعشق للبارئ. وبالبغض والاستياء والرفض لأعداء الله ويجب ألا يصغوا إلى وسوسة الخنّاسين وشبهات المشككين والجهّال والمنحرفين وألا يغفلوا لحظة واحدة عن هذا النشيد التوحيدي المقدس والشامل.

صرخة البراءة خالدة:

إن صرخة البراءة من المشركين لم تختص بزمان خاص. هذا دستور خالد، وإن انقرض المشركون من الحجاز “فنهضة الناس” ليست مختصّة بزمان بل هي دستور كل زمان ومكان. في هذا التجمع البشري العالم تعتبر سنوياً من جملة العبادات المهمة الخالدة إلى الأبد. وهنا تكمن النكتة التي أكّد عليها أئمة المسلمين (عليهم السلام) في إقامة مجالس العزاء لسيد المظلومين إلى الأبد وبقاء صرخة مظلومية آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وظلم بني أميّة ـ عليهم لعنة الله ـ مع أنهم انقرضوا…

البراءة هي من كل ظالم:

إن إعلان البراءة هو المرحلة الأولى من الجهاد ومواصلته هي من المراحل الأخرى لتكليفنا، وإنه يتطلب في كل عصر وزمان مفاهيم وأساليب وبرامج خاصة. فماذا يجب فعله في عصرنا هذا الذي يجعل فيه قادة الكفر المفاهيم الثقافية والدينية والسياسية للشعوب ألعوبة بيد أهوائهم ومطامعهم وشهواتهم. هل يجب الجلوس في البيوت وتحمل الشيطان وأتباعه من خلال حملات التضليل وإهانة منزلة البشر، وإلقاء روح اليأس والعجز في نفوس المسلمين ومنع المجتمع الإسلامي من بلوغ الخاص الذي يعتبر غاية الكمال ومحط الآمال، والإيحاء بأن محاربة الأنبياء للأصنام وعبادتها تتلخص في الحجارة والأخشاب الهامدة، وأن أنبياء كإبراهيم، معاذ بالله، إنهم كانوا السبّاقين لتحطيم الأصنام ولكنهم تركوا ساحة الجهاد ضد الظالمين؟

إن تحطيم الأصنام وجهاد وحروب إبراهيم (عليه السلام) مع النمروديين وعبدة الشمس والقمر والنجوم كلها كانت مقدمة لهجرة كبرى وإنّ كل تلك الهجرات والصعاب والشدائد والمبيت في واد غير ذي زرع وبناء البيت والتضحية بإسماعيل كانت مقدمة لبعثة ورسالة يكرر فيها خاتم النبيين كلام أول وآخر نبي. ومؤسسي الكعبة، ويبلّغ الرسالة الخالدة إنني بريء مما تشركون.

وإذا قدمنا تحليلاً غير ذلك فإنه يعني عدم وجود الأصنام وعبادتها في هذا العصر ولكن أي إنسان عاقل لا يدرك عبادة الأصنام الجديدة وأحابيلها الخاصة ولا يعرف هيمنة معابد الأصنام، كالبيت الأسود الأمريكي. على البلدان الإسلامية وعلى أرواح وأعراض المسلمين والعالم الثالث.

إن صرخة براءتنا من المشركين والكفار اليوم، هي صرخة البراءة من الظلم والظالمين وصرخة أمّة بلغت روحها الحلقوم من اعتداءات الشرق والغرب وعلى رأسهم أمريكا وأذنابها. ونهب بيتها ووطنها وثرواتها.

البراءة وتحرير الطاقات:

إننا بإعلاننا البراءة من المشركين كنا وما نزال مصممين على تحرير الطاقات المتراكمة للعالم الإسلامي، وبإذن الله الكبير وبهمّة أبناء القرآن سيأتي اليوم الذي يتحقق فيه هذا العمل. وإنشاء الله سيتحقق أيضاً اليوم الذي يصرخ فيه جميع المسلمين والمتألمين ضد ظالمي العالم ويثبتوا أن القوى العظمى وأذنابهم والنفعيين هم أكثر موجودات العالم بغضاً ولعناً.

إن صرخة براءتنا هي صرخة جميع الذين لم يقدروا على تحمّل تفر عن أمريكا وتواجدها السلطوي ولا يريدون أن تخمد صرخة غضبهم وسخطهم وتذمرهم، وتُخنق في حناجرهم إلى الأبد وعقدوا لعزم على العيش حياة حرة كريمة والموت أحراراً وأن يكونوا الصرخة المدوية للأجيال.

البراءة صرخة العقيدة والاستضعاف:

إن صرخة براءتنا هي صرخة الدفاع عن العقيدة والكرامات والنواميس، صرخة الدفاع عن الثروات والرساميل. إنها صرخة الدفاع عن الثروات والرساميل. إنها صرخة المتألمين من الشعوب التي مزّقت قلوبها خناجر الكفر والنفاق. صرخة براءتنا هي صرخة الفقراء والجياع والمحرومين والمعدمين والحفاة الذين نهب الجشعون والقراصنة الدوليون ما حصلوا عليه بعرق جبينهم وتعب ليلهم ونهارهم، وأولئك الذين امتصّوا دماء قلوب الشعوب الفقيرة والفلاحين والعملاء والكادحين باسم الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية. وربطوا العصب الحيوي لإقتصاد العالم بأنفسهم وحرموا شعوبه من استيفاء أبسط حقوقها المشروعة.

المحتویات ذات صلة
کتابة التعلیق

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.